النازعات · الآية 34

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ

«فَإِذَا جَاءَتِ»: تَوقيتٌ لا افتِراض

أوثِرَت «إذا» على «إن»، والفَرقُ بَينَهُما يُسمَعُ في أوَّلِ الحَرف، فـ«إن» تَفتَحُ بابَ الاحتِمال، و«إذا» تَنتَظِرُ وَقتاً مَعلومَ الوُقوعِ مَجهولَ الحين، ولِذلك تُؤَقِّتُ الآيةُ ولا تَعرِضُ فَرضاً.

والفاءُ في صَدرِها تَصِلُ ما بَعدَها بِما قَبلَه، فقد كانَ الكَلامُ في السورةِ عَدّاً لِما بُسِطَ من ماءٍ ومَرعىً وجِبال، وخُتِمَ بِـمَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، ثُمَّ جاءَتِ الفاء، فالمَتاعُ يُبسَطُ ثُمَّ يَجيءُ ما يَطويه.

و«جاءَت» ماضٍ في مَوضِعِ ما لم يَقَعْ بَعد. والجِذرُ ج-ي-أ مُجتَمِعٌ يَسيرُ حتّى يَنبَثِقَ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه، فهو بُلوغٌ تامٌّ، لا اقتِرابٌ يُنتَظَر. وصيغةُ المُضِيِّ تَضَعُ ما هو آتٍ في خانةِ ما فَرَغَ منه، فالوَعدُ الذي يُحكى بِلَفظِ الماضي يُستَقبَلُ ولا يُنتَظَر.

«الطَّامَّةُ»: غِطاءٌ يَعُمُّ فلا يُبقي حافّةً تُعرَف

ولم تُسَمَّ، فقد جاءَت وَصفاً على صيغةِ اسمِ الفاعِلِ مُؤَنَّثاً، فالمَوصوفُ مَطوِيٌّ والوَصفُ وَحدَه ظاهِر، وهذا دَأبُ السورةِ منذُ مَطلَعِها: نازِعاتٌ وناشِطاتٌ وسابِحاتٌ، أوصافٌ تَجري بِلا مَوصوفٍ يُنادى بِاسمِه.

والجِذرُ ط-م-م إطباقٌ عَريضٌ يَغشى ثُمَّ يَضُمُّ ما تَحتَه ويُمسِكُه، يُقالُ طَمَّ الماءُ إذا عَلا حتّى غَطّى، وطُمَّتِ البِئرُ إذا مُلِئَت حتّى سُوِّيَ وَجهُها بِالأرضِ فلم يَبقَ لها حَرف. فالطّامّةُ بَسطٌ يَنبَسِطُ على المَواضِعِ كُلِّها، وهي غَيرُ ضَربةٍ تَقَعُ في مَوضِع.

وبَينَ الهَدمِ والطَّمِّ فَرقٌ يُلمَس، فالهَدمُ يُبقي رُكاماً يُشارُ إليه، والطَّمُّ يُسَوّي حتّى لا يُعرَفَ أينَ كانَ الحَفر، وما يُغَطّي كُلَّ شَيءٍ لا يُقاسُ بِما يَكسِرُ شَيئاً واحِداً.

«الْكُبْرَىٰ»: تَفضيلٌ يُثبِتُ التَّجاوُزَ ولا يُسَمّي مِقدارَه

والكِبَرُ في ك-ب-ر غَيرُ الحَجمِ الذي يُقاس، فنَواتُه كَتمٌ يُمسِكُ ثُمَّ يَنفَتِحُ عمّا اجتَمَعَ فيه فيَخرُج، والرّاءُ تُجري الخارِجَ فيَمتَدُّ حتّى يُجاوِزَ نَظيرَه، فالكَبيرُ ما تَراكَمَ في مَكمَنِه ثُمَّ بَرَزَ فتَجاوَز.

و«الكُبرى» أفعَلُ التَّفضيلِ مُؤَنَّثاً، يُثبِتُ أنَّها جاوَزَت، ويَسكُتُ عمّا جاوَزَته. والسامِعُ يَعودُ في السورةِ نَفسِها فيَجِدُ الكَلِمةَ قد مَرَّت به مَرّة: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ﴾، وهي عَلامةٌ كُبرى عُرِضَت فقوبِلَت بِتَكذيبٍ وعِصيان.

والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ في الفِعلِ دونَ الوَصف: فهُناكَ «أراهُ»، والإراءةُ عَرضٌ يُقابَلُ بِقَبولٍ أو رَدّ، وهُنا «جاءَت»، ولا مَوضِعَ في المَجيءِ لِرَدّ، فالكُبرى الأُولى تُعرَض، والكُبرى الثانِيةُ تَقَع.


حَصيلة

تُوَقِّتُ الآيةُ ولا تَفتَرِض، فـ«إذا» تَنتَظِرُ حيناً مَجهولاً لِأمرٍ مَعلوم، والفاءُ تَصِلُ ذلك الحينَ بِمَتاعٍ عُدَّ قَبلَه فبَسَطَته السورةُ بَسطاً، و«جاءَت» بِلَفظِ الماضي تُنزِلُ الآتيَ مَنزِلةَ ما فَرَغَ منه. والجائِيةُ مَوصوفةٌ غَيرُ مُسَمّاة: «الطّامّة» من ط-م-م، وهي إطباقٌ عَريضٌ يَغشى ويَضُمُّ ما تَحتَه حتّى يُسَوّى وَجهُ المَوضِعِ فلا تُعرَفَ له حافّة، فهي بَسطٌ على البِقاعِ كُلِّها، وليسَت ضَربةً في بُقعة. ثُمَّ «الكُبرى» من ك-ب-ر، وهي تَراكُمٌ مَكتومٌ يَنفَتِحُ فيَجري مُجاوِزاً، وأفعَلُ التَّفضيلِ يُثبِتُ التَّجاوُزَ ويَسكُتُ عن مِقدارِه. وقد سَبَقَتِ الكَلِمةُ في السورةِ وَصفاً لِعَلامةٍ أُرِيَها مُخاطَبٌ فكَذَّبَ وعَصى، وجاءَت هُنا وَصفاً لِما يَجيءُ فيَطُمّ، فلا يُرى فيُرَدّ.