النازعات · الآية 32

﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا

«وَالْجِبَالَ»: تَقديمٌ ثانٍ على قالَبِ الأوَّل

يَتَكَرَّرُ البِناءُ نَفسُه: اسمٌ مَنصوبٌ يَتَقَدَّم، ثُمَّ فِعلٌ بَعدَه يَحمِلُ ضَميرَه. «والأرضَ … دَحاها»، «والجِبالَ أرساها». جُملَتانِ على قالَبٍ واحِدٍ يَفصِلُ بَينَهُما إخراجُ الماءِ والمَرعى.

والجَبَلُ في ج-ب-ل كُتلةٌ تَجتَمِعُ فتَلتَصِقُ بِمَوضِعِها ثُمَّ تَمتَدُّ فيه. فاللُّزومُ في الجَذرِ قَبلَ أن يُذكَرَ في الفِعل. ومنه قَولُهُم «جُبِلَ على كذا» لِما رُكِّبَ فيه تَركيباً لا يُفارِقُه: طَبعٌ لا يُنزَعُ كما أنَّ الجَبَلَ لا يُنقَل.

«أَرْسَاهَا»: ثَباتٌ يَنفُذُ إلى العُمقِ ثُمَّ يَنعَقِد

والرَّسوُ في ر-س-و إمساكٌ يَنفُذُ إلى العُمقِ ثُمَّ يَنعَقِدُ فيَثبُت. ومنه «المِرساة» يُلقى بِها في العُمقِ فتُمسِكُ ما فَوقَها، و«رَسا الشَّيءُ» ثَبَتَ أصلُه فلم يَبرَح.

و«أرسى» على وَزنِ أفعَل، وَزنِ التَّعدِية: الجَبَلُ لا يَرسو بِنَفسِه. والفِعلُ يَرُدُّ الثَّباتَ الظّاهِرَ فَوقَ الوَجهِ إلى ما تَحتَه: ما يُرى قِمّةً هو في الفِعلِ أصلٌ مَغروز. ولَو كانَ المُرادُ العُلُوَّ لَقيلَ فيه ما قيلَ في السَّماءِ من رَفعٍ وسَمك، فجاءَ الفِعلُ في الجِهةِ المُقابِلة: نُزولٌ لا صُعود.

وتَعودُ الكَلِمةُ في آخِرِ السورةِ سُؤالاً عن وَقت: أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. فالجَذرُ الذي ثَبَّتَ الجِبالَ في الأرضِ هو الذي يُسأَلُ بِه عن مُستَقَرِّ السّاعة. وما يَثبُتُ لا يَثبُتُ إلّا بِما غابَ من أصلِه.


حَصيلة

تُعادُ صيغةُ الآيةِ قَبلَ آيَتَين: اسمٌ مَنصوبٌ مُقَدَّمٌ ثُمَّ فِعلٌ يَحمِلُ ضَميرَه. و«الجِبال» من ج-ب-ل: كُتلةٌ تَجتَمِعُ فتَلتَصِقُ بِمَوضِعِها ثُمَّ تَمتَدُّ فيه، فاللُّزومُ داخِلٌ في الاسمِ قَبلَ أن يَجيءَ الفِعل. و«أرساها» من ر-س-و: إمساكٌ يَنفُذُ إلى العُمقِ ثُمَّ يَنعَقِدُ فيَثبُت، وهو على وَزنِ أفعَلَ فالثّابِتُ مُثَبَّتٌ بِغَيرِه. فالوَجهُ الذي دُحِيَ ومُهِّدَ يُمسَكُ الآنَ بِما غُرِزَ فيه، وما بَرَزَ فَوقَه عَلامةٌ على ما نَفَذَ تَحتَه. ويَعودُ الجَذرُ في آخِرِ السورةِ سُؤالاً عن مُستَقَرِّ السّاعة: كَلِمتانِ في الأرضِ تَصيرانِ سُؤالاً عن وَقت.