التكوير · الآية 23

﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ

«وَلَقَدْ»: ثَلاثُ أدَواتٍ قَبلَ أن يَبدَأَ الفِعل

واوٌ تَعطِف، ولامٌ تُوَطِّئُ لِلقَسَم، و«قَد» تُحَقِّقُ الوُقوع. ثَلاثُ أدَواتٍ مُتَراكِبةٍ قَبلَ حَرفٍ واحِدٍ من الفِعل. ولا يُثقَلُ صَدرُ الجُملةِ بِهذا كُلِّه إلّا حَيثُ يُنتَظَرُ الإنكار.

وانظُرْ أينَ وَقَعَ التَّشديد. لم يَقَعْ على ما رُئي، ولا على مَوضِعِ الرُّؤية، بل على أنَّ الرُّؤيةَ وَقَعَت. الآيةُ تُثَبِّتُ الحَدَثَ أوَّلاً وتَترُكُ ما بَعدَه على قَدرِ ما قالَت. وما يُشَدَّدُ عَلَيه في أوَّلِ الجُملةِ هو ما يُخاصَمُ فيه.

«رَآهُ»: فاعِلٌ مُستَتِرٌ ومَفعولٌ ضَمير

لم تُسَمِّ الآيةُ الرّائيَ ولا المَرئيّ. قالَت «رَآهُ» ووَقَفَت. وفي السّورةِ قَبلَ هذا مَوصوفانِ لا ثالِثَ لَهُما: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ بِأوصافِه السِّتّة، ثُمَّ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. فالضَّميرانِ يَقَعانِ عَلَيهِما، وأيُّهُما الرّائي وأيُّهُما المَرئيُّ مَتروكٌ على ما تَرَكَته الآية.

والوَجهانِ مُعلَنانِ: يَصلُحُ أن يَكونَ اللّازِمُ لَكُم هو الرّائي، والمَوصوفُ بِالقُوّةِ والأمانةِ هو المَرئيّ؛ ويَصلُحُ العَكس. والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَ اللَّفظُ ولا تُعَيِّنُ ما لم يُعَيَّنْ.

والجِذرُ ر-أ-ي جَرَيانٌ يَنبَثِقُ حادّاً من تَهَيُّؤٍ مُحتَبِسٍ ثُمَّ يَمتَدُّ فيَستَقِرّ. فالرُّؤيةُ وُقوعُ الصّورةِ دَفعةً ثُمَّ ثَباتُها، ومنه «الرَّأي» ما انبَثَقَ في النَّفسِ فاستَقَرَّ حُكماً. وجاءَ الفِعلُ ماضِياً مُؤَكَّداً: صورةٌ وَقَعَت مَرّةً وثَبَتَت.

«بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ»: حَدٌّ يَلتَئِم، ووَصفٌ يَحتَمِلُ وَجهَين

الجِذرُ أ-ف-ق انبِثاقٌ يَنفَتِحُ عن شَقٍّ ضَيِّق، ثُمَّ عَقدٌ يَلأَمُ هذا الشَّقَّ فيَصيرُ حَدّاً واحِداً. والأُفُقُ مُنتَهى ما يَبلُغُه النَّظَر: الخَطُّ الذي تَلتَئِمُ عِندَه السَّماءُ بِالأرضِ فلا يُرى ما وَراءَه. فالمَوضِعُ في اسمِه حَدٌّ لا ارتِفاع، آخِرُ ما يَنالُه البَصَرُ لا أعلى ما فَوقَه.

وهذا يُقرَأُ مَعَ الباء. «بِالأُفُق» ظَرفٌ يُلصِقُ الرُّؤيةَ بِمَوضِعِها: لم يُقَلْ «إلى الأُفُق» فتَكونَ غاية، ولا «مِنَ الأُفُق» فتَكونَ مَصدَراً. الحَدَثُ واقِعٌ عِندَ الحَدِّ نَفسِه، هُناكَ حَيثُ يَنتَهي المَدى.

ثُمَّ يوصَفُ الأُفُقُ بِـ«المُبين». والجِذرُ ب-ي-ن ظُهورٌ يَنبَعِثُ فيَنفَصِلُ بِه الشَّيءُ عَمّا حَولَه، ومنه «بانَ» ظَهَرَ حتّى تَمَيَّز، و«البَين» الفَصلُ بَينَ الشَّيئَين. و«المُبين» على وَزنِ مُفعِل، وهو يَحتَمِلُ الوَجهَينِ مَعاً: البَيِّنُ في نَفسِه، والمُظهِرُ لِغَيرِه. والأُفُقُ يَصلُحُ لَهُما جَميعاً: حَدٌّ لا يَلتَبِسُ بِغَيرِه، وحَدٌّ يَظهَرُ عَلَيه ما لا يَظهَرُ في سِواه. ما لا يُرى إلّا عِندَ الحَدِّ لا يُرى في وَسَطِ الزِّحام.


حَصيلة

تَتَراكَبُ ثَلاثُ أدَواتٍ في صَدرِ الآيةِ فتُثَبِّتُ وُقوعَ الرُّؤيةِ قَبلَ أن يُقالَ شَيءٌ عَنها، والتَّشديدُ يَقَعُ على الحَدَثِ لا على طَرَفَيه. ثُمَّ يَجيءُ «رَآهُ» بِفاعِلٍ مُستَتِرٍ ومَفعولٍ ضَمير، ولا مَوصوفَ في السّورةِ قَبلَه إلّا اثنان: «رَسولٌ كَريم» بِأوصافِه، و«صاحِبُكُم» بِنِسبَتِه. فالوَجهانِ قائِمانِ ولا تَقطَعُ الآيةُ بِأحَدِهِما. والجِذرُ ر-أ-ي انبِثاقٌ يَستَقِرّ: صورةٌ وَقَعَت مَرّةً فثَبَتَت. وأمّا المَوضِعُ فأُفُقٌ من أ-ف-ق، شَقٌّ يَلتَئِمُ حَدّاً: مُنتَهى البَصَرِ لا مَعراجَ فَوقَه، والباءُ تُلصِقُ الحَدَثَ بِه إلصاقاً. ثُمَّ «المُبين» على مُفعِل، بَيِّنٌ في نَفسِه ومُظهِرٌ لِغَيرِه، والوَصفانِ يَصدُقانِ على حَدٍّ لا يَلتَبِس. آيةٌ تُؤَكِّدُ أنَّ الرُّؤيةَ كانَت، وتَضَنُّ بِكُلِّ ما وَراءَ ذلك.