التكوير · الآية 24

﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ

«وَمَا هُوَ»: النَّفيُ الثّاني، والضَّميرُ يَمضي بِلا اسم

وهذا ثاني ثَلاثةٍ جاءَت على شَكلٍ واحِد، هو «ما» ثُمَّ الباءُ على الخَبَر. وقَد جاءَ الأوَّلُ بِالنِّسبةِ ظاهِرةً، وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، وجاءَ هذا بِالضَّميرِ وَحدَه، فالسّورةُ تَتَقَدَّمُ وتُقَلِّلُ التَّسمِية.

والضَّميرُ يَمضي من الآيةِ السّابِقةِ إلى هذه بِلا انقِطاع، والمُرادُ أنَّ مَن أُثبِتَت لَه الرُّؤيةُ هُناكَ هو الذي نُفِيَ عَنه الحَبسُ هُنا، فقد رَأى ثُمَّ لم يُمسِكْ ما رَأى.

«عَلَى الْغَيْبِ»: حَرفٌ يَجعَلُه فَوقَ ما يَحفَظ

وعُدِلَ إلى «على الغَيب» عن «بِالغَيبِ»، الذي يَجعَلُ الغَيبَ ما يُصَدَّقُ بِه، وعن «عَنِ الغَيبِ»، الذي يَجعَلُه ما يُخبَرُ عَنه، والاستِعلاءُ يَضَعُ المَوصوفَ فَوقَ ما وُضِعَ عِندَه، كما يوضَعُ الحافِظُ فَوقَ ما يَحفَظ.

وأصلُ غ-ي-ب غَورٌ باطِنٌ يَحتَبِسُ ما يَدخُلُه، وتَمُدُّه الياءُ فيَبعُدُ ما احتُبِسَ فيه، فالغَيبُ في حُروفِه ما دَخَلَ ذلك الغَورَ فاحتُبِسَ فيه، مَوجودٌ في مَوضِعِه مَستورٌ عن الحِسّ. ولِذلك صَحَّ أن يُتَحَدَّثَ عن حَبسٍ فيه، فالحَبسُ في حُروفِه نَفسِها، والمَوجودُ في مَوضِعِه يُقالُ فيه أُمسِكَ أو أُدِّي.

«بِضَنِينٍ»: حَبسٌ ثانٍ يُنفى عَن غَيبٍ مَحبوس

ومادّةُ ض-ن-ن ضَغطٌ كَثيفٌ يَحبِسُ في الجَوف، ثُمَّ تُعيدُ نونٌ ثانِيةٌ الحَبسَ على نَفسِه فيَشتَدّ، ومِنه «ضَنَّ بِالشَّيء» إذا أمسَكَه وهو عِندَه، و«الضَّنين» مَن يَقبِضُ يَدَه على ما في يَدِه.

ويَلتَقي الجِذرانِ في كَلامٍ واحِد، فالغَيبُ ما احتُبِسَ في غَورٍ باطِنٍ مَستوراً عن الحِسّ، والضَّنُّ حَبسُ المَرءِ ما في يَدِه، فنَفيُ الضَّنِّ نَفيٌ لِحَبسٍ ثانٍ على ما كانَ مَحبوساً، وما بَلَغَه من الغَيبِ أدّاه. والجُملةُ كُلُّها مَبنِيّةٌ على حَبسَين، حَبسٍ في أصلِ الغَيبِ تُثبِتُه حُروفُه، وحَبسٍ في يَدِ مَن أُقيمَ عَلَيه تَنفيه الآية.

ويَزيدُ الوَصفُ حَرفاً، فـ«بِضَنينٍ» على فَعيل، وهي صيغةُ ما ثَبَتَ ودام، دونَ الحالِ التي تَعرِضُ ثُمَّ تَزول، فالمَنفِيُّ خُلُقٌ لا حادِثة. ومَن أُقيمَ على غَيبٍ هو لِغَيرِه كانَ الإمساكُ عِندَه خِيانةً لِوَديعة، والبُخلُ إمساكُ المَرءِ مِلكَه.


حَصيلة

ثاني النَّفَياتِ الثَّلاثةِ جاءَ بِالضَّميرِ وَحدَه، ماضِياً من الرُّؤيةِ المُثبَتةِ قَبلَه بِلا انقِطاع، فقد رَأى ثُمَّ لم يَحبِسْ ما رَأى. و«على» تَضَعُه فَوقَ الغَيب، لا فيه ولا عَنه، كما يوضَعُ الحافِظُ فَوقَ ما استُحفِظ. والجِذرُ غ-ي-ب غَورٌ باطِنٌ يَحتَبِسُ ما دَخَلَه، فالغَيبُ مَوجودٌ في مَوضِعِه مَستورٌ عن الحِسّ، وض-ن-ن ضَغطٌ كَثيفٌ يُعادُ على نَفسِه فيَحبِس. فالجِذرانِ يَجتَمِعانِ على الحَبسِ في الآيةِ الواحِدة، واحِدٌ يَحبِسُ في غَورِ الغَيبِ وآخَرُ في يَدِ القابِض، والباءُ الزّائِدةُ تَنفي الثانيَ نَفياً لاصِقاً. وصيغةُ فَعيلٍ تَجعَلُ المَنفِيَّ خُلُقاً ثابِتاً دونَ الحادِثة. فما بَلَغَه من ذلك المَحبوسِ يَمضي من يَدِه إلى السّامِع، ويَبقى الحَبسُ في غَورِ الغَيبِ وَحدَه.