التكوير · الآية 22

﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ

«وَمَا … بِـ»: نَفيٌ يُزادُ فيه حَرفٌ لِيَشتَدّ

تَنفي الآيةُ بِـ«ما»، ثُمَّ تُدخِلُ الباءَ على الخَبَر. والباءُ هُنا لا تُعَدّي فِعلاً ولا تَصِلُ اسماً بِاسم، وإنَّما يُشَدُّ بِها النَّفيُ فيَعُمّ. لَو قيلَ «وما صاحِبُكُم مَجنوناً» لَنُفِيَ وُقوعُ الوَصف؛ وحينَ دَخَلَتِ الباءُ لَصِقَ النَّفيُ بِالوَصفِ نَفسِه.

وثَلاثةُ مَواضِعَ في هذا المَقطَعِ تُبنى على هذا الشَّكلِ عَينِه: «وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ»، ثُمَّ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، ثُمَّ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾. أداةٌ واحِدةٌ وحَرفٌ واحِدٌ ثَلاثَ مَرّات. والنَّفيُ إذا تَكَرَّرَ بِصورَتِه صارَ إيقاعاً يُحفَظ.

«صَاحِبُكُم»: نِسبةٌ تُضيفُ المُتَّهَمَ إلى مُتَّهِميه

لم تَقُلِ الآيةُ اسماً ولا لَقَباً. قالَت «صاحِبُكُم» ووَقَفَت. والجِذرُ ص-ح-ب إحكامٌ يَحتَوي ثُمَّ يَتَّصِلُ فيَلزَم، ومنه الصّاحِبُ: مَن لازَمَ فطالَ لُزومُه حتّى صارَ اللُّزومُ وَصفَه.

وفي الكافِ والمِيمِ الحُجّةُ كُلُّها. المَقولُ فيه لَيسَ طارِئاً جاءَ من بَعيدٍ فيُجهَلَ حالُه، بل هو المُلازِمُ الذي عَرَفَ القَومُ مَدخَلَه ومَخرَجَه. فمَن رَمى صاحِبَه بِالغِطاءِ فقد رَمى صُحبَتَه هو: كُلُّ يَومٍ لازَمَه فيه شاهِدٌ عَلَيه.

ويَجيءُ هذا بَعدَ أوصافٍ سِتّةٍ لِمَن لم يُسَمَّ أيضاً: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. هُناكَ وَصفٌ بِلا اسم، وهُنا نِسبةٌ بِلا اسم. السّورةُ تُعَرِّفُ بِالعَلاقةِ لا بِالتَّسمِيَة.

«بِمَجْنُونٍ»: صيغةٌ تَجعَلُ المَرمِيَّ مَفعولاً بِه

«مَجنون» اسمُ مَفعول. فالتُّهمةُ في بِنائِها لا تَقولُ إنَّه فَعَلَ شَيئاً، بل إنَّ شَيئاً فُعِلَ بِه. والجِذرُ ج-ن-ن تَكَتُّلٌ يَستَتِر، ورَنينٌ يَبلُغُ من وَراءِ السِّتر، وحَجبٌ يُضاعَفُ بِتَشديدِ النّون.

فمَن قالَ «مَجنون» قالَ: عَلَيه غِطاء، وما يَخرُجُ منه صَوتٌ من خَلفِ غِطاء. هذا مَبنى الدَّعوى: لَيسَت إنكارَ الكَلامِ أن يُسمَع، بل رَدَّه إلى ما وَراءَ الحِجاب. وتَمضي السّورةُ فتُسَمّي ما جاءَ بِه اسماً واحِداً: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، والذِّكرُ في جِذرِه اختِراقٌ يَقبِضُ على المَعنى. الغِطاءُ يَحجُب، والذِّكرُ يَخرِق.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تَحمِلُ الدَّعوى والجَوابَ مَعاً. النَّفيُ بِـ«ما» ثُمَّ بِالباءِ يَجعَلُ الرَّدَّ لاصِقاً بِالوَصفِ لا بِوُقوعِه، ويَفتَحُ إيقاعاً يَتَكَرَّرُ ثَلاثاً في هذا المَوضِع. و«صاحِبُكُم» تَضَعُ النِّسبةَ مَوضِعَ الاسم، وتُضيفُ المَقولَ فيه إلى القائِلين، فتَصيرُ صُحبَتُهُم هي البَيِّنةَ التي تُقامُ عَلَيهِم. و«مَجنون» اسمُ مَفعولٍ من ج-ن-ن، سِترٌ مُضاعَفٌ يَخرُجُ من وَرائِه رَنين: فالدَّعوى ادِّعاءُ غِطاءٍ لا اعتِراضٌ على كَلام. ومَن قيلَ فيه إنَّ عَلَيه غِطاءً جاءَ في السّورةِ نَفسِها ما يُسَمّي كَلامَه خَرقاً لِلغَفلة. أقرَبُ النّاسِ إلَيهِم هو الذي رَدّوهُ إلى أبعَدِ ما يُرَدُّ إليه إنسان.