المطففين · الآية 1

﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ

«وَيْلٌ»: كَلِمةٌ تَقَعُ قَبلَ أن يُذكَرَ فِعل

ابتَدَأَتِ السّورةُ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ مُنَكَّرة، لا فِعلَ قَبلَها يَحمِلُها ولا خَبَرَ يُمَهِّدُ لَها، و«وَيلٌ» مَرفوعٌ في صَدرِ الكَلام، والتَّنكيرُ يَترُكُه بِلا حَدٍّ يُقَدَّرُ بِه.

وأصلُ و-ي-ل وَصلٌ يَسري ثُمَّ يَتَعَلَّقُ فيَلزَم، فالوَيلُ شَيءٌ وَصَلَ ولَصِق، وليسَ خَطَراً يُنتَظَرُ مَجيئُه، والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الخَطَرَ يُتَّقى، واللّاصِقَ يُحمَل.

وقد وَقَعَتِ الكَلِمةُ قَبلَ أن يوصَفَ فِعلٌ أو تُسَمّى صَنعة، والسّورةُ تَضَعُ الأثَرَ أوَّلاً، ثُمَّ تَدُلُّ على صاحِبِه، ثُمَّ تُبَيِّنُ ما صَنَعَت يَداه في آيَتَينِ بَعدَها.

«لِّلْمُطَفِّفِينَ»: قَومٌ لا يُعرَفونَ إلّا بِحَرَكةِ أيديهِم

ولم تُسَمِّ الآيةُ أحَداً، ولم تَذكُرْ مَوضِعاً ولا سوقاً ولا صِناعة، ووَصَفَت حَرَكةً، ثُمَّ جَعَلَتِ الوَصفَ اسماً يُنادَونَ بِه.

والتَّطفيفُ من ط-ف-ف، وحُروفُه تَدُلُّ على ما يَصنَعون: طاءٌ تُطبِقُ عَريضةً فتُغَطّي، وفاءٌ تَشُقُّ شَقّاً ضَيِّقاً، وفاءٌ ثانِيةٌ تُفَرِّقُ وتُبعِد، فهو سَطحٌ مُستَوٍ يُشَقُّ عِندَ حافَّتِه فيُنَحّى ما هُناك. ومِنه طُفافةُ الإناء، وهي ما قارَبَ فَمَه ولم يَبلُغْه، ومِنه الطَّفُّ لِما دَنا من شاطِئِ الماء، والجِذرُ كُلُّه يَسكُنُ الحافّة.

ومَحَلُّ الدِّقّةِ أنَّ المُطَفِّفَ يَأخُذُ الشَّعرةَ الأخيرةَ من الكَيل، ولا يَأخُذُ الكَيلَ نَفسَه، ولَو أخَذَ أكثَرَ لَبانَ ولَسُمِّيَ بِاسمٍ آخَر، وعَمَلُه مُقَدَّرٌ بِأن يَبقى تَحتَ العَين.

والصّيغةُ على فَعَّل، وهي لِلتَّكرارِ والقَصد، فالمَوصوفُ بِها صَنعةٌ تُتقَنُ بِالمُداوَمة، لا زَلّةُ كَفٍّ مَرّةً، ومَن أتقَنَ القَليلَ أتقَنَه ألفَ مَرّة.

«وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ»: لامٌ تُعَلِّقُ ما فَصَلوه

وبَينَ الكَلِمَتَينِ لامٌ واحِدة، وهي لامُ اختِصاص، فما بَعدَها مالِكٌ لِما قَبلَها، والوَيلُ مِلكُهُم كما تَكونُ الدّارُ لِصاحِبِها، يُنسَبُ إلَيهِم نِسبةَ المُقتَنى، ولا يُساقُ إلَيهِم من خارِج.

وفي هذا مُقابَلةٌ في حَرفَين: فصَنعَتُهُم فَصلُ الرَّقيقِ وإبعادُه، والجِذرُ الذي وُصِفوا بِه يَختِمُ بِفاءٍ تُفَرِّقُ وتُبعِد، والكَلِمةُ التي نَزَلَت عَلَيهِم تَختِمُ بِلامٍ تَتَعَلَّقُ ولا تُفارِق، وما أبعَدوه بِالشَّعرةِ عادَ إلَيهِم مُلتَصِقاً بِاللّام.

وهي آيةٌ من كَلِمَتَين، واحِدةٌ مِنهُما تَقتَطِع، وواحِدةٌ تَلزَق.


حَصيلة

في الآيةِ كَلِمَتانِ وحَرفُ رَبطٍ بَينَهُما: «وَيلٌ» نَكِرةٌ تَتَصَدَّرُ بِلا فِعلٍ يَحمِلُها، وجِذرُها و-ي-ل وَصلٌ يَسري ثُمَّ يَتَعَلَّقُ فيَلزَم، فهو أثَرٌ وَصَلَ لا خَطَرٌ يُنتَظَر. ثُمَّ «المُطَفِّفين»، وهو وَصفٌ صارَ اسماً، وجِذرُه ط-ف-ف يَسكُنُ الحافّة، أي القَدرَ الرَّقيقَ عِندَ فَمِ الإناءِ يُشَقُّ عَنه ويُنَحّى، ومِنه طُفافةُ الإناءِ وما دَنا من شاطِئِ الماء. والصّيغةُ على فَعَّل، فهي مُداوَمةٌ لا زَلّة، ودِقّةُ الصَّنعةِ أن تَبقى تَحتَ العَين. واللّامُ بَينَهُما لامُ اختِصاصٍ تَجعَلُ الوَيلَ مِلكاً لَهُم، وبِها تُقابِلُ السّورةُ فاءً تُفَرِّقُ بِلامٍ تُعَلِّق، وتَبتَدِئُ بِالأثَرِ قَبلَ أن تُبَيِّنَ الفِعلَ في الآيَتَينِ بَعدَها.