المطففين · الآية 2

﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ

«الَّذِينَ إِذَا»: وَصفٌ يَنتَظِرُ حالَه

جاءَ الاسمُ المَوصولُ بَعدَ الوَيل، ولَم يَتلُهُ فِعلٌ مُباشِر. تَلاهُ «إذا»: ظَرفٌ لِما يَتَكَرَّرُ وُقوعُه.

فالقَومُ لا يُعرَفونَ بِفِعلٍ وَقَعَ مَرّةً واحِدة. يُعرَفونَ بِما يَقَعُ مِنهُم كُلَّما حَضَرَ المَوضِع. و«إذا» تَفتَحُ باباً يُدخَلُ مِنه مَرّةً بَعدَ مَرّة.

وهذا يُوافِقُ الصّيغةَ في الآيةِ قَبلَها. «المُطَفِّفين» على فَعَّل تُداوَم، و«إذا» ظَرفٌ يَتَكَرَّر. الوَصفُ يُبنى بِالعادةِ لا بِالحادِثة.

«اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ»: تاءٌ تَجُرُّ الكَيلَ، وحَرفٌ يَعلو

الكَيلُ في جِذرِه ك-ي-ل إمساكُ مِقدارٍ يَنسابُ حتّى يَبلُغَ حَدّاً ثُمَّ يُحاز. مِكيالٌ يُملَأُ إلى خَطٍّ مَعلوم، ثُمَّ تُقبَضُ اليَدُ على ما فيه.

ولَم تَقُلِ الآيةُ «كالوا». قالَت «اكْتَالُوا» على افتَعَل، وتاءُ افتِعالٍ تَصرِفُ الفِعلَ إلى حِسابِ فاعِلِه: أخَذوا الكَيلَ لِأنفُسِهِم. حَرفٌ زائِدٌ في وَسَطِ الفِعلِ يُعَيِّنُ جِهةَ المَنفَعة.

ثُمَّ «عَلى»، وهي حَرفُ استِعلاء. ولَو أُريدَ مُجَرَّدُ الأخذِ مِنهُم لَاستَقامَ «مِنَ النّاس». والكَيلُ هُنا واقِعٌ على النّاسِ كما يَقَعُ الثِّقلُ على حامِلِه، فصارَتِ المُبادَلةُ حَملاً، وصارَ أحَدُ الطَّرَفَينِ فَوقَ الآخَر.

وبَينَ الفِعلِ وأصحابِ الحَقِّ حَرفٌ ظاهِرٌ تامّ. عُدَّهُ الآنَ حَرفاً واحِداً، فإنَّ الآيةَ التّالِيةَ تَسقُطُ عنه.

«يَسْتَوْفُونَ»: طَلَبُ آخِرِ الحَبّة

الجِذرُ و-ف-ي إحاطةٌ يَنفُذُ فيها الجَريانُ حتّى يَبلُغَ أقصاها، فلا يَبقى في المُحاطِ بِه مَوضِعٌ فارِغ. ومنه وَفى الكَيلُ إذا بَلَغَ تَمامَه، ومنه الوَفاءُ أداءُ ما لَزِمَ تامّاً غَيرَ مَنقوص.

والصّيغةُ على استَفعَل: طَلَبٌ وتَقَصٍّ. لَيسَ الخَبَرُ أنَّ الكَيلَ وَفى لَهُم، بَل أنَّهُم يَطلُبونَ وَفاءَه ويَتَتَبَّعونَه. يَدٌ تَهُزُّ المِكيالَ لِيَنزِلَ ما تَعَلَّقَ بِجِدارِه.

والاستيفاءُ في نَفسِه بُلوغُ حَقّ. تَضَعُهُ الآيةُ في نِصفِ الصّورةِ وتَنتَظِرُ النِّصفَ الآخَر: عَينٌ تُبصِرُ الشَّعرةَ حينَ تَأتي إلَيها.


حَصيلة

تُبَيِّنُ الآيةُ نِصفَ الصَّنعة. «الَّذينَ إذا» يَبني الوَصفَ على المُتَكَرِّرِ لا على الواقِعةِ الواحِدة، ويُوافِقُ ذلك صيغةَ فَعَّل في «المُطَفِّفين». ثُمَّ ثَلاثةُ مَواضِعَ تَميلُ كُلُّها إلى جِهةٍ واحِدة: «اكْتَالُوا» على افتَعَل، وتاؤُها تَصرِفُ الكَيلَ إلى حِسابِ فاعِلِه؛ و«عَلى» حَرفُ استِعلاءٍ يَجعَلُ المُبادَلةَ حَملاً وأحَدَ الطَّرَفَينِ فَوقَ الآخَر؛ و«يَسْتَوْفُونَ» على استَفعَل، طَلَبٌ لِلتَّمامِ وتَقَصٍّ لَه، والجِذرُ و-ف-ي بُلوغُ المُحاطِ بِه آخِرَه فلا يَبقى فيه فَراغ. وفي الآيةِ بَينَ الفِعلِ وأصحابِ الحَقِّ حَرفٌ ظاهِرٌ تامّ، وهو المَوضِعُ الذي تُصغى إلَيه الآيةُ التّالِية. صَنعةٌ تَعرِفُ الشَّعرةَ حينَ تَأتي إلَيها.