المطففين · الآية 26

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ

«خِتَامُهُ مِسْكٌ»: الغِطاءُ أوَّلُ ما يَصِلُ

الخاتَمُ ما يُقامُ بَينَ المَرءِ والشَّيء، فيَراهُ ولا يَبلُغُ ما تَحتَه، وهذا شَأنُ كُلِّ خَتم، وهو شَأنُ الخَتمِ في الآيةِ قَبلَها: إغلاقٌ يُؤذِنُ بِالوُقوف.

ثُمَّ وُصِفَ هذا المانِعُ نَفسُه بِأنَّه رائِحة، وما مِن شَيءٍ أعجَزَ عن المَنعِ من الرّائِحة، فهي لا تُمسَكُ ولا تُحجَبُ ولا يوقَفُ سَعيُها إلى مَن تَقصِدُه. فالذي جُعِلَ حَدّاً بَينَ المَرءِ والشَّيءِ هو أوَّلُ ما يَعبُرُ إلَيه مِنه.

ولِذلك يُقرَأُ الوِعاءُ قَبلَ أن يُفتَح، والمَختومُ لا يُذاق، ويَصِلُ مِنه ما عَلِقَ بِخِتامِه، وآخِرُ ما وُضِعَ عَلَيه هو أوَّلُ ما يُدرَكُ مِنه.

«مِسْكٌ»: قَبضٌ لا يُفلِتُ ما مَسّ

والمِسكُ من م-س-ك، ومَعناه قَبضٌ يَحبِسُ الدَّقيقَ فلا يَنفَلِتُ مِنه، ومِن هذا الأصلِ «أمسَكَ» إذا حَبَسَ في يَدِه فلم يَدَعْه يُفلِت. فالرّائِحةُ المُسَمّاةُ بِهذا الاسمِ ما تَعلَقُ بِما مَسَّته فلا تُفارِقُه.

فالكَلِمَتانِ في الجُملةِ الواحِدةِ كِلتاهُما إمساك: خَتمٌ لا يَنفَكُّ عَمّا أُطبِقَ عَلَيه، ومِسكٌ لا يُفارِقُ ما مَسَّه، فقد أُغلِقَ الشَّيءُ بِقَبضٍ ووُسِمَ بِقَبضٍ آخَر، وما لا يُفتَحُ لِلمَرءِ عالِقٌ بِه.

«وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ»: أمرٌ يُسَمّي أهلَه بِفِعلِهِم

و«في ذلك» مُقَدَّمة، والإشارةُ فيه بِالبَعيدِ إلى ما حَضَرَ وَصفُه، فيُوصَفُ الشَّيءُ حتّى يَمتَلِئَ الوَصف، ثُمَّ يُشارُ إلَيه إشارةَ ما نَأى. وأوثِرَ الحَرفُ «في» على «إلى»، فالتَّنافُسُ مَوضوعٌ داخِلَ مَطلوبِه، لا مُرسَلٌ نَحوَه من خارِج.

و«يَتَنافَسِ» من ن-ف-س، وأصلُه انبِعاثٌ يَنفَتِحُ إلى الخارِجِ ويَنسابُ فيه، وعَلَيه بِناءُ المُشارَكة. فالمُتَنافِسونَ أنفُسٌ يَمتَدُّ كُلٌّ مِنها إلى واحِدٍ في آنٍ واحِد، والمَعنى خُروجُ كُلِّ نَفسٍ إلى ما تَخرُجُ إلَيه الأُخرى، دونَ دَفعِ أحَدِهِم عن مَوضِعِه.

ثُمَّ سُمِّيَ القَومُ بِالفِعلِ الذي أُمِروا بِه، فاجتَمَعَ فِعلٌ واسمُ فاعِلِه من جِذرٍ واحِدٍ في آيةٍ واحِدة. وعلى هذا النَّحوِ افتُتِحَتِ السّورةُ أيضاً: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، فذُكِرَ قَومٌ لا تُذكَرُ أسماؤُهُم ويُذكَرُ ما يَفعَلون. والاسمُ في الطَّرَفَينِ صادِرٌ عنِ الفِعل، وبَينَهُما شَوطُ السّورةِ كُلُّه: مَن نَقَصَ عُرِفَ بِنَقصِه، ومَن خَرَجَ إلى ما هُناكَ عُرِفَ بِخُروجِه.


حَصيلة

«خِتامُه» من خ-ت-م، وهو سَدٌّ دَقيقٌ لِلفَتحةِ يُضَمُّ عَلَيها فيَلتَصِق، فهو الحاجِزُ بَينَ المَرءِ وما تَحتَه، ثُمَّ وُصِفَ بِأنَّه «مِسك»، وأصلُ م-س-ك قَبضٌ يَحبِسُ فلا يُفلِتُ ما مَسَّه. فالحَدُّ الذي يَمنَعُ هو الشَّيءُ الوَحيدُ الذي يَعبُر، وآخِرُ ما وُضِعَ على الوِعاءِ أوَّلُ ما يُدرَكُ مِنه. ثُمَّ جاءَ «وفي ذلك» بِالإشارةِ البَعيدةِ وبِحَرفِ الظَّرفِ دونَ حَرفِ الغاية، فالتَّنافُسُ داخِلَ مَطلوبِه لا مُرسَلٌ إلَيه. و«فَليَتَنافَسِ المُتَنافِسون» فِعلٌ واسمُ فاعِلِه من ن-ف-س، أي أنفُسٌ تَخرُجُ إلى واحِدٍ مَعاً، وقَومٌ سُمُّوا بِما يَفعَلونَ كما سُمِّيَ أوَّلُ مَن ذُكِرَ في السّورةِ بِما يَفعَل.