المطففين · الآية 35

﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ

«عَلَى الْأَرَائِكِ»: مَوضِعُ مُكثٍ يَتَقَدَّمُ الفِعل

والجارُّ والمَجرورُ مُقَدَّمانِ على الفِعل، فالمَوضِعُ أوَّلاً ثُمَّ النَّظَر، يَستَقِرُّ صاحِبُه ثُمَّ يُرسِلُ عَينَه، ولا تَبلُغُ العَينُ بَعيداً وصاحِبُها يَمشي.

وقد جاءَت هذه الجُملةُ بِحُروفِها مَرّةً في هذه السّورةِ قَبلَ هذا المَوضِع، فالحالُ نَفسُها لا جَديدَ فيها، وإنَّما الجَديدُ مَوقِعُها: تُعادُ الآنَ بَعدَ أن تَبادَلَ الطَّرَفانِ مَواضِعَهُما، فقد وُصِفَ المَقامُ أوَّلاً، ثُمَّ بُيِّنَ مَتى يُقالُ ولِمَن.

و«الأريكةُ» من أ-ر-ك، وهو مُقامٌ مُمسِكٌ يَثبُتُ فيه صاحِبُه، ومِنه «أرَكَ بِالمَكانِ» إذا أقامَ بِه فلَزِمَه فلم يَبرَح، فهي مَجلِسُ مُكثٍ لا مَقعَدُ عابِر، والذي كانَ يُمَرُّ بِه في الطَّريقِ صارَ لَه مَوضِعٌ لا يُبارِحُه.

«يَنظُرُونَ»: عَينٌ تُرسَلُ ولا يُذكَرُ لَها مَفعول

وجاءَ «يَنظُرون» بِلا مَفعولٍ مَذكور، فلم تُسَمِّ الآيةُ ما يُنظَرُ إلَيه ولم تَحُدَّ جِهَتَه، والفِعلُ مُطلَقٌ تُرِكَ على إطلاقِه.

والجِذرُ ن-ظ-ر ما يَنبَعِثُ من باطِنِ صاحِبِه فيَغشى الشَّيءَ ويَجري عَلَيه مُمتَدّاً، وهو غَيرُ «رَأى» الذي جاءَ في المَشهَدِ قَبلَ ثَلاثِ آيات، فتِلكَ رُؤيةٌ تَقَعُ على صورةٍ عابِرةٍ فتُمسِكُ ظاهِرَها، وهذا إرسالٌ يَمتَدُّ على ما أُرسِلَ إلَيه.

وفي «رَأَوْهُم» مَفعولٌ ظاهِرٌ ثُمَّ حُكمٌ يَتلوه بِلا فاصِل، وفي «يَنظُرون» لا مَفعولَ ولا قَول. والظّاءُ التي في ح-ف-ظ هي الظّاءُ التي في ن-ظ-ر، وهي إطباقٌ يَغشى ما وَقَعَ عَلَيه، فهُناكَ إحاطةٌ نُفِيَت عن قَومٍ لم يُرسَلوا، وهُنا شُعاعٌ يُرسَلُ فيَغشى مَوقِعَه، وأبعَدُ ما يَبلُغُ البَصَرُ حينَ لا يُساقُ إلى حُكم.


حَصيلة

يَتَقَدَّمُ المَوضِعُ على الفِعل، فالاستِقرارُ أوَّلاً ثُمَّ إرسالُ العَين. والجُملةُ مُعادةٌ بِحُروفِها من مَوضِعٍ سابِقٍ في السّورة، فالحالُ واحِدةٌ والجَديدُ مَوقِعُها بَعدَ تَبادُلِ الطَّرَفَين. و«الأرائِك» (أ-ر-ك) مُقامٌ مُمسِكٌ يَثبُتُ فيه صاحِبُه، ومِنه أرَكَ بِالمَكانِ إذا لَزِمَه فلم يَبرَح، فمَن كانَ يُمَرُّ بِه مُروراً لا مُكثَ فيه صارَ في مَوضِعٍ لا يُبارِحُه. و«يَنظُرون» (ن-ظ-ر) ما يَنبَعِثُ من باطِنِ صاحِبِه فيَغشى الشَّيءَ ويَجري عَلَيه مُمتَدّاً، وهو غَيرُ الرُّؤيةِ التي تَقَعُ على الصّورةِ فتَقِف. وجاءَ الفِعلُ بِلا مَفعولٍ ولا قَولٍ بَعدَه، بِخِلافِ «رَأَوْهُم» التي تَلاها حُكمٌ بِلا فاصِل. والظّاءُ الواحِدةُ تَجمَعُ حِفظاً نُفِيَ عَنهُم ونَظَراً أُعطوه، وهي إطباقٌ يَغشى ما وَقَعَ عَلَيه، مُنِعَ هُناكَ وأُطلِقَ هُنا.