المطففين · الآية 36

﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ

«هَلْ»: سورةٌ تُختَمُ بِسُؤال

تُختَمُ السّورةُ بِأداةِ استِفهام. افتُتِحَت بِحُكمٍ يُعلَنُ في وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، وتُختَمُ بِسُؤالٍ يُلقى. أوَّلُها خَبَرٌ يُوضَعُ في الأُذُن، وآخِرُها سُؤالٌ يُوضَعُ في اليَد.

ولم تَقُلِ الآيةُ مَن يَسأَل. بَقِيَ السّائِلُ غَيرَ مُسَمّىً كما بَقِيَ الفَريقانِ في هذا المَشهَدِ كُلِّه بِلا اسم. سورةٌ تُمسِكُ عن التَّسمِيةِ من أوَّلِها إلى آخِرِها.

والسُّؤالُ لا يَطلُبُ عِلماً. جاءَ بَعدَ أن فُصِّلَ ما كانوا يَفعَلونَ وما صارَ إلَيه الفَريقان، فمَن سَمِعَ التَّفصيلَ يَملِكُ الجَوابَ قَبلَ أن يُسأَل. والسُّؤالُ الذي يُعرَفُ جَوابُه لا يُلقى لِيُجابَ بَل لِيُقَرَّ بِه.

«ثُوِّبَ»: عَودةٌ تَتِمُّ ولا تُنقَص

الجِذرُ ث-و-ب عَودةٌ إلى المَوضِعِ بَعدَ تَمامِ المَسار. ومنه «ثابَ» رَجَعَ إلى مَوضِعِه بَعدَ غِيابٍ كما يَثوبُ الماءُ إلى الحَوض، و«الثَّوب» ما يَعودُ إلى بَدَنِ صاحِبِه فيَستَقِرُّ عَلَيه.

والفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ مَبنِيّاً لِلمَجهول. التَّضعيفُ يُحكِمُ الحَدَثَ ويُتِمُّه، فالعَودةُ لا تَنقُصُ في الطَّريق. والبِناءُ لِلمَجهولِ يُسقِطُ ذِكرَ مَن يُوقِعُها: المَنظورُ إليه ما عادَ لا مَن أعادَه.

وهُنا يَنعَقِدُ خِتامُ السّورةِ بِمُفتَتَحِها. أوَّلُها في مِكيالٍ يُبخَسُ ووَزنٍ يُنقَص: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. وآخِرُها في رَدٍّ يَتِمُّ فلا يُخسَرُ منه شَيء. في السّورةِ التي فاتِحَتُها النَّقصُ يُرَدُّ كُلُّ شَيءٍ تامّاً.

«مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»: ما لا يُحازُ هو وَحدَه ما يَعود

«ما» مَوصولةٌ تَعُمّ: كُلُّ الذي كانوا يَفعَلون، لا قَدرٌ منه يُنتَقى. و«كانوا» مَعَ المُضارِعِ تُعيدُ بِناءَ الجُملةِ التي افتُتِحَ بِها هذا المَشهَد. ما جَرى مُستَمِرّاً يَعودُ مُستَمِرّاً، وبِالصّيغةِ التي جَرى بِها.

والجِذرُ ف-ع-ل حُدوثٌ يُنسَبُ ولا يُحاز: نُفوذٌ يَظهَرُ فيَتَعَلَّقُ بِفاعِلِه ويَمضي مُستَقِلاًّ ولا يَنعَقِدُ عَيناً تُملَك. ولِذلك سَمَّى واضِعو النَّحوِ ما اقتَرَنَ بِزَمَنٍ ولا يَستَقِلُّ بِنَفسِه فِعلاً، وسَمَّوا ما يَثبُتُ ويُشارُ إليه اسماً. القِسمةُ في اللِّسانِ هي القِسمةُ في الجِذر.

فما كانوا يَفعَلونَه لم يَستَقِرَّ في أيديهِم يَوماً، وإنَّما كانَ مَنسوباً إلَيهِم يَجري ويَمضي. ثُمَّ يُرَدُّ إلَيهِم ما لم يَملِكوه قَطُّ: ضَحِكٌ انفَلَتَ مَقطوعاً، وغَمزٌ مَضى في طَريقٍ لا مُكثَ فيه، وقَولٌ غادَرَ الفَمَ ولم يَنفَكَّ عن قائِلِه. كُلُّه يَثوب. وما لا يُحازُ هو وَحدَه ما يَعود.


حَصيلة

تُختَمُ السّورةُ بِأداةِ استِفهامٍ بَعدَ أن فُتِحَت بِحُكمٍ مُعلَن، ويَبقى السّائِلُ بِلا اسمٍ كما بَقِيَ الفَريقانِ بِلا اسم. والسُّؤالُ يُلقى بَعدَ التَّفصيلِ كُلِّه، فهو إقرارٌ لا استِعلام. و«ثُوِّبَ» من ث-و-ب: عَودةٌ إلى المَوضِعِ بَعدَ تَمامِ المَسار، ومنه ثَوبانُ الماءِ إلى الحَوضِ والثَّوبُ الذي يَعودُ إلى بَدَنِ صاحِبِه. ووَزنُ فَعَّلَ يُتِمُّ الحَدَثَ ويُحكِمُه، والبِناءُ لِلمَجهولِ يُسقِطُ ذِكرَ المُعيدِ فيَبقى النَّظَرُ على ما عاد. وبِهذا يَنعَقِدُ الخِتامُ بِالمُفتَتَح: سورةٌ أوَّلُها في مِكيالٍ يُبخَسُ ووَزنٍ يُنقَص، وآخِرُها في رَدٍّ يَتِمُّ فلا يُخسَرُ منه شَيء. و«ما كانوا يَفعَلون» تَعُمُّ بِـ«ما» وتُعيدُ بِناءَ «كانوا» مَعَ المُضارِعِ كما جاءَ في مُفتَتَحِ المَشهَد، فما جَرى مُستَمِرّاً يَعودُ مُستَمِرّاً. وف-ع-ل حُدوثٌ يُنسَبُ ولا يُحاز، ومن هُنا القِسمةُ بَينَ الفِعلِ والاسمِ في لِسانِ العَرَب. فالذي يُرَدُّ إلَيهِم هو الذي لم يَستَقِرَّ في أيديهِم يَوماً.