الفجر · الآية 24

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي

«يَقولُ»: نُطقٌ يَخرُجُ حينَ لا يُجدي النُّطق

أصلُ ق-و-ل إخراجُ المَعنى مُصَوَّتاً، وهو نُطقٌ يَنفُذُ من الباطِنِ إلى الظّاهِرِ فيُسمَع. وأوثِرَ المُضارِعُ «يَقول» على «قال» لأنَّه يَحكي حالاً تَتَجَدَّد، فكأنَّ القائِلَ ما يَزالُ يُرَدِّدُ كَلِمتَه ولا يَنقَطِعُ عنها. وهو قَولٌ لا يَدفَعُ شَيئاً ولا يَرُدُّ ما فات، وغايَتُه أن يُخرِجَ ما في الصَّدرِ من حَسرةٍ بَلَغَت أن تَنطِق.

والقَولُ الذي يَنزِلُ في هذا المَوضِعِ يَشهَدُ على نَفسِه قَبلَ أن يَشهَدَ على غَيرِه، ولم يَعُد فيه دَعوى ولا مُحاجّة، فهو إقرارٌ يَخرُجُ مَغلوباً. والنُّطقُ الذي كانَ بِالأمسِ يَقولُ غَيرَ هذا صارَ اليَومَ ظَرفاً لِلنَّدَم، وهذا قَلبٌ لِلحال، فاللِّسانُ واحِدٌ والمَوقِفانِ مُختَلِفان.

«يا لَيتَني»: نِداءٌ على ما لا يُنادى

و«لَيتَ» حَرفُ تَمَنٍّ يَطلُبُ المُحال، ويَتَعَلَّقُ بِما لا سَبيلَ إلى رَدِّه، ودُخولُ «يا» النِّداءِ عَلَيها يَزيدُها انكِساراً، فكأنَّ القائِلَ يُنادي حالاً غائِبةً ويَستَصرِخُ ماضِياً لا يُجيب. فالتَّمَنّي هنا التِفاتٌ إلى بابٍ أُغلِق، دونَ رَجاءٍ مَفتوحٍ على فِعلٍ مُمكِن.

وياءُ المُتَكَلِّمِ في «لَيتَني» تَجعَلُ الحَسرةَ مَردودةً إلى صاحِبِها وَحدَه، فلا يَلومُ خارِجاً ولا يُحَمِّلُ سِواه، ويَقِفُ أمامَ نَفسِه بِما فَرَّط. والتَّمَنّي بِصيغةِ المُتَكَلِّمِ أصدَقُ ما يَكونُ النَّدَم، إذ يَعرِفُ صاحِبُه أنَّ الذي ضَيَّعَ هو الذي يَتَمَنّى.

«قَدَّمتُ»: إرسالٌ إلى أمامِ الوَقت

والجِذرُ ق-د-م مَدارُه على السَّبقِ في المَكانِ أو الزَّمان، أي وَضعِ الشَّيءِ في المُقَدِّمةِ حتّى يَسبِقَ غَيرَه. وتَشديدُ الدّالِ في «قَدَّمَ» يُقَوّي الفِعلَ ويَجعَلُه إرسالاً مَقصوداً، وهو أن تَبعَثَ بِالعَمَلِ أمامَك إلى وَقتٍ تَلقاهُ فيه. فالمُتَمَنّى زادٌ يُبعَثُ إلى الأمام، غَيرُ مالٍ يُجمَعُ أو أثَرٍ يُخَلَّفُ في الخَلف.

ووَقَعَ التَّمَنّي على «قَدَّمتُ» بِصيغةِ الماضي في «لَيتَني قَدَّمتُ»، فالبابُ الذي يُتَمَنّى الآنَ كانَ مَفتوحاً في وَقتٍ مَضى. والتَّقديمُ لا يُمكِنُ إلّا قَبلَ المَوعِد، فإذا حَلَّ المَوعِدُ انغَلَقَ بابُ التَّقديمِ كُلُّه، وعِندَ ذلك تَجتَمِعُ الحَسرَتان: ضيقُ ما قُدِّم، وانقِضاءُ زَمَنِ التَّقديم.

«لِحَياتي»: الحَياةُ التي تُسَمّى حَياة

ومَدارُ ح-ي-ي على القِيامِ والنُّمُوِّ ودَفعِ المَوت، فالحَيُّ ضِدُّ المَيِّت، والحَياةُ قِوامٌ يَنبِضُ ويَدوم. واللّامُ في «لِحَياتي» لامُ الأجلِ والغاية، أي قَدَّمتُ من أجلِ حَياتي، لا في حَياتي، فالحَياةُ المَقصودةُ غايةٌ يُعمَلُ لَها، وليسَت ظَرفاً يُعمَلُ فيه.

وإضافةُ الحَياةِ إلى المُتَكَلِّمِ في «حَياتي»، مَعَ كَونِها مَطلوبةً بِالتَّقديم، تَكشِفُ أنَّ القائِلَ يُسَمّي حَياتَه الحَقَّ ما هو مُقبِلٌ عَلَيه، لا ما خَلَّفَه وَراءَه، فكأنَّ الذي عاشَه لم يَكُن عِندَه حَياةً تُسَمّى، والحَياةُ عِندَه هي التي يَلقاها، وقد جاءَها بِغَيرِ زاد. والتَّسميةُ نَفسُها حُكمٌ على الوَقتَين، فما مَضى مَمَرّ، وما يُقبَلُ عَلَيه هو الحَياة.


حَصيلة

يَنطِقُ القائِلُ نُطقاً لا يُجدي، و«يَقولُ» من ق-و-ل، وهو إخراجُ المَعنى مُصَوَّتاً، وجاءَ مُضارِعاً يَتَجَدَّدُ حَسرةً، ويَنطِقُ بِحَرفِ تَمَنٍّ يَطلُبُ المُحالَ زادَه نِداءُ «يا» انكِساراً، وهو مَردودٌ إلى صاحِبِه بِياءِ المُتَكَلِّم. والمُتَمَنّى «قَدَّمتُ» من ق-د-م، أي إرسالٌ إلى أمامِ الوَقت، شَدَّدَتهُ الدّالُ قَصداً، ووُضِعَ بِصيغةِ الماضي لأنَّ بابَ التَّقديمِ يَنغَلِقُ بِحُلولِ المَوعِد. والغايةُ «لِحَياتي» من ح-ي-ي، وهي قِوامٌ يَنبِضُ ويَدوم، جاءَت بِلامِ الأجل، فالحَياةُ غايةٌ يُقَدَّمُ لَها لا ظَرفٌ يُعاشُ فيه. وقد جَمَعَتِ الآيةُ في نُطقٍ واحِدٍ ثَلاثَ حَسَرات: قَولاً بِلا أثَر، وتَمَنِّياً بِلا رَدّ، وتَقديماً فاتَ وَقتُه، وكَشَفَ آخِرُها أنَّ القائِلَ ما سَمّى حَياتَه الحَقَّ إلّا حينَ لَقِيَها بِغَيرِ زاد.