التين · الآية 5

﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ

«ثُمَّ»: المُهلَةُ التي تَفتَحُ بابَ الاختِيار

والفَرقُ بين «ثُمَّ» و«ف» في العَرَبيَّةِ فَرقٌ في الزَّمَن، فـ«ف» تُلصِقُ ما بَعدَها بما قَبلَها مُباشَرَةً، و«ثُمَّ» تَترُكُ بَينَهُما فَجوَة، ولو قِيلَ «خَلَقناه فَرَدَدناه» لَكانَ الرَّدُّ مُتَّصِلاً بالخَلقِ كَأنَّه جُزءٌ مِنه، أمّا «ثُمَّ» فتَجعَلُ الرَّدَّ حَدَثاً مُستَقِلاً يَقَعُ بَعدَ مُهلَة.

وفي هذه المُهلَةِ يَحدُثُ ما يَجعَلُ الرَّدَّ مَفهوماً، فالإنسانُ خُلِقَ في القِوام، ثمّ تُرِكَ ليَختار. وفي البَقَرَةِ جاءَ الأَمرُ بَعدَ تَعليمِ الأسماءِ وتَكريمِ السُّجود: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، فكانَ الهُبوطُ بَعدَ التَّعليمِ وبَعدَ المُهلَة، والكَرامَةُ والاختِيارُ يَجريانِ في الكائنِ نَفسِه، والمُهلَةُ هي ما يَفتَحُ المَجالَ بَينَهُما.

«رَدَدناه»: الإعادَةُ من غَيرِ مُغادَرَة

و«رَدَّ» الشَّيءَ أعادَه إلى مَوضِعٍ كانَ فيه قَبلَ أن يَخرُجَ مِنه، فالكَلِمَةُ تَفتَرِضُ مَوضِعاً سابِقاً يُعادُ إلَيه، وكَونُ الإنسانِ خُلِقَ مُنتَصِباً ثُمَّ رُدَّ إلى أسفَلَ يَعني أنَّ ما رُدَّ إلَيه كانَ أَصلاً فيه: تُرابٌ خُلِقَ منه، أو ضَعفٌ كانَ مَكنوناً، أو سُفلٌ كانَ مُحتَمَلاً في طَبيعَتِه قَبلَ أن يَنتَصِبَ بقُوّةِ الذي خَلَقَه.

والكَلِمَةُ بنونِ العَظَمَة كذلك: «رَدَدناه»، فالذي خَلَقَه هو الذي رَدَّه، وهو فاعِلٌ واحِدٌ يَخلُقُ ويَرُدّ، وليس عَدُوّاً خارجيّاً يَكسِرُ الصّورَة، وبِذلك يَكونُ الرَّدُّ حِكمَةً، لا فَوضى. وهو يَتَّسِعُ مع الاختِيارِ ولا يَتَنافى مَعَه، فمَنِ اختارَ الانحِناءَ بَعدَ القِيامِ تَوافَقَت إرادَتُه مع رَدٍّ مَكتوبٍ في تَركيبِه.

«أسفَلَ سافِلين»: الهَيئَةُ التي يَنزِلُ إلَيها مَن انحَنى

و«أسفَل» اسمُ تَفضيلٍ من «سَفَل»، و«سافِلين» جَمعُ «سافِل»، وهو اسمُ فاعِلٍ يَدُلُّ على مَن يَنزِلُ ويَهبِط، والإضافَةُ في «أسفَلَ سافِلين» تَجمَعُ تَفضيلَين، فالمُرادُ الأَدنى من بين كلِّ النازِلين، كأنَّ السَّفالَةَ طَبَقات، وما رُدَّ إلَيه هذا الإنسانُ هو القاعُ من بينِها.

وصياغَةُ «سافِلين» في صورَةِ الجَمعِ مَقصودَة، فهذا الإنسانُ غَيرُ فَريدٍ في انحِطاطِه، وهُناكَ سافِلونَ كَثيرون، مَخلوقاتٌ ومَواضِعُ ومَآلات، وما رُدَّ إلَيه هو أسفَلُهُم. ثمّ تَستَثني الآيَةُ التاليَةُ مَن آمَنَ وعَمِلَ الصالحات، فهذه الآيَةُ تُقَرِّرُ القاعِدَة، والتي تَليها تُسَجِّلُ الاستِثناء.

وفي البَقَرَةِ هُبوطٌ مُماثِلٌ في صُورَتِه: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، غَيرَ أنَّ ذاكَ الهُبوطَ كانَ في مَكان (من الجَنَّةِ إلى الأرض)، وهذا الرَّدُّ في حال (من القِوامِ إلى السَّفال)، فالإنسانُ هُبِطَ مَكاناً وكانَ ذلك ابتِداءَ مَهَمَّتِه، ورُدَّ حالاً إذا انحَرَفَ عن مَهَمَّتِه، والمَكانُ كانَ هَديَّةً، والحالُ امتِحان.


حَصيلة

تَحمِلُ «ثُمَّ» التَّراخي، فبَينَ الخَلقِ والرَّدِّ مُهلَةٌ تَفصِلُ بَينَهُما، وفيها يَكونُ الاختِيار، وليس الرَّدُّ مُباشِراً يَعقُبُ الخَلق. و«رَدَدنا» (ر-د-د) إعادَةٌ إلى مَوضِعٍ كانَ فيه، والجَذرُ يَفتَرِضُ أنَّ ما رُدَّ إلَيه كانَ كامِناً في تَركيبِ المَخلوقِ قَبلَ أن يَنتَصِبَ بقُوَّةِ الذي خَلَقَه. والفاعِلُ بنونِ العَظَمَة، فالذي خَلَقَ هو الذي يَرُدّ، والرَّدُّ حِكمَةٌ مَكتوبَةٌ لا فَوضى. و«أسفَل» (س-ف-ل) اسمُ تَفضيل، و«سافِلين» جَمع، والمُرادُ الأَدنى من بين كلِّ النازِلين، أي القاعُ من بين القِيعان. والآيةُ مَفتوحَة، لم تُعَيِّن مَن يُرَدّ ولا أين، فثَمَّةَ مَن قَرَأَ الرَّدَّ في الجَسَدِ (شَيخوخَة)، وثَمَّةَ مَن قَرَأَه في النَّفسِ (انحِطاطُ الاختِيار)، وثَمَّةَ مَن قَرَأَه في المَآلِ (نارٌ أسفَلَ سافِلين)، وكلُّها تَتَّفِقُ على أنَّ الكائنَ المَبنيَّ في الأحسَنِ يَحتَمِلُ السُّقوطَ إلى الأَدنى، وأنَّ الكَرامَةَ المَوهوبَةَ لا تَضمَنُ بِنَفسِها القِيامَ الدائِم.