التين · الآية 6

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

«إلّا»: الفَتحَةُ التي تَنقُذُ المَخلوقَ من قاعِدَةِ السقوط

«إلّا» في العَرَبيَّةِ أَداةُ استِثناءٍ تَستَخرِجُ من الحُكمِ العامِّ ما يُغايِرُه، والقاعِدَةُ التي تَستَخرِجُ مِنها هذه الآيَةُ جاءَت في الآيَةِ السابقة، وهي أنَّ الإنسانَ مَردودٌ إلى أسفَلَ سافِلين. ولَولا «إلّا» لَكانَ الحُكمُ على الجِنسِ كلِّه، غَيرَ أنَّ السورَةَ تَفتَحُ بهذه الكَلِمَةِ بابَ النَّجاة.

والاستِثناءُ في الآيَةِ مَوصول، فهو تَفريعٌ من القاعِدَةِ نَفسِها، وليس فاصِلاً يَفصِلُ بين قَومَين. وكأنَّ السورَةَ تَقولُ: الإنسانُ في طَبيعَتِه يُرَدّ، إلّا أن يَمسِكَ نَفسَه بَين شَيئَين يَسحَبانِه إلى أعلى، فالإيمانُ يَسحَبُ من الباطِن، والعَمَلُ يَسحَبُ من الظاهِر، فإذا أمسَكَ بهِما مَعاً نَجا من الرَّدّ.

«آمَنوا وعَمِلوا الصالحات»: الزَّوجُ الذي لا يَنفَكّ

وهذا الزَّوجُ يَتَكَرَّرُ في القرآنِ في عَشَراتِ المَواضِع، ولا يُذكَرُ أحَدُهُما وَحدَه إلّا نادِراً، فالبَقَرَةُ تَقولُ في مَطلَعِها: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾، وتَقولُ في خاتِمَةِ آياتِ الرِّبا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، والزَّوجُ مَعقودٌ في النَّصِّ على صورَةٍ تَجعَلُ فَكَّه عَسيراً.

وجاءَ الفِعلانِ «آمَنوا وعَمِلوا» بِصيغَةِ الماضي، وهي تَدُلّ على ما تَمَّ دونَ ما يُتَوَقَّع، فالاستِثناءُ لمَن قَد فَعَلَ، وليس لمَن سَيُؤمِنُ ويَعمَل. والكَلِمَتانِ تَفتَرِضانِ تَجرِبَةً وَقَعَت وحَياةً عَلَيها أَثَر، ولذلك كانَ جَمعُ «الصالحات» مُهِمّاً، فالمُرادُ سِلسِلَةٌ تَجمَعُ نَفسَها في عُمر، والفِعلُ الواحِدُ لا يَكفي.

«أَجرٌ غَيرُ مَمنون»: المَجرى الذي لا يَنقَطِعُ ولا يُمَنّ

و«مَمنون» اسمُ مَفعولٍ من «مَنَّ»، والجَذرُ م-ن-ن يَجمَعُ في العَرَبيَّةِ مَعنَيَين مُتَّصِلَين: أوَّلُهُما القَطعُ والنَّقص، يُقال «مَنَنتُ الحَبلَ» إذا قَطَعتَه، وثانيهُما الإحسانُ مع التَّذكيرِ به، وهو المَنّ المَكروه، أن يُعطيَ المُعطي ثُمَّ يَذكُرَ ما أعطى. وكِلا المَعنَيَين مَنفيٌّ في «غَيرُ مَمنون»، فالأَجرُ لا يَنقَطِعُ بالاستِعمال، ولا يُذَكَّرُ بِه مَن أَخَذَه.

والمَعنى الأَوَّلُ يُقابِلُ ما في الآيَةِ السابقة، فـ«أسفَلَ سافِلين» مَكانٌ يَنقَطِعُ فيه ما يَجري، وهَؤلاءِ المُستَثنَونَ يُعطَونَ أجراً «غَيرَ مَمنون»، أي غَيرَ مَقطوع. فما يَجري في الآخَرينَ يَتَوَقَّفُ، وما يَجري في هَؤلاءِ ماضٍ لا يَتَوَقَّف، فالأَوَّلُ مَوقوف، والثاني مُستَأنَف.

والمَعنى الثاني أَلطَف، والذي يُعطي قَد يُذَكِّرُ في العادَةِ بعَطائه، والقرآنُ يَنفي هذا الوَجهَ هنا، فالعَطاءُ لا يُمَنُّ به على الآخِذ. وما يَأخُذُه المُؤمِنُ من رَبِّه عَلى عَمَلِه أَجرٌ مُقَدَّرٌ تَلَقَّاه عَلى وَزنٍ مَعروف، وليس صَدَقَةً يُذَكَّرُ بها وَجهُه. ومن العَجيبِ في الكَلِمَةِ أنَّ القرآنَ يُذَكِّرُ المُؤمِنينَ في موضِعٍ آخَرَ بأنَّ الإيمانَ نَفسَه هو الذي يُمَنُّ بِه: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، فالعَطاءُ في أصلِه، وهو الهِدايَة، يُمَنُّ به، وأمّا الأَجرُ المُتَرَتِّبُ عَلى العَمَلِ فلا يُمَنّ. والحِكمَةُ في هذا الزَّوجِ أنَّ ما لا يَملِكُه المَرءُ يُذَكِّرُه به مُعطيه، وما يَكسِبُه بعَمَلٍ يُؤجَرُ عَلَيه بلا مَنّ.


حَصيلة

«إلّا» تَفتَحُ في حُكمِ الرَّدِّ بَاباً، فليس كلُّ إنسانٍ يُرَدُّ إلى أسفَلَ سافِلين، إذ يُستَخرَجُ مِن الحُكمِ العامِّ مَن جَمَعَ بَين شَيئَين: إيمانٍ يَنفُذُ في الباطِنِ فيَستَقِرُّ فيه (أ-م-ن)، وأعمالٍ صالِحَةٍ تَخرُجُ من الباطِنِ مُلتَصِقَةً بصاحِبِها (ع-م-ل، ص-ل-ح). وهذا الزَّوجُ يَتَكَرَّرُ في القرآنِ في عشراتِ المَواضِع ولا يُذكَرُ أحَدُهُما وَحدَه إلّا نادِراً، وقد جَمَعَتهُما البَقَرَةُ في مَطلَعِها ثُمَّ في خاتِمَةِ آياتِ الرِّبا. والذي يَترَتَّبُ على هذا الجَمعِ «أَجرٌ غَيرُ مَمنون» (م-ن-ن)، والجَذرُ يَجمَعُ في العَرَبيَّةِ مَعنَيَين، القَطعَ والمَنَّ على الآخِذ، وكِلاهُما مَنفيٌّ هنا، فالأَجرُ لا يَنقَطِعُ بالاستِعمال، ولا يُحَكُّ بِتَذكيرِ المُعطي. فمَن أمسَكَ بالإيمانِ والعَمَلِ نَجا من الرَّدِّ وأخَذَ أَجراً يَجري من غَيرِ كَسر.