الزلزلة · الآية 8

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

التَّوازي الذي يَكشِفُ المِنهَج

والآيَتانِ السّابِعةُ والثّامِنةُ مُتَوازِيَتانِ كَلِمةً بِكَلِمة، ولم يُغَيَّرْ فيهِما إلّا «خَيراً» إلى «شَرّاً»، ولا تَفصيلَ في الجَزاءِ يَختَلِفُ بَينَهُما، ولا تَوسيعَ لِلمَشهَدِ يَزيدُ في إحداهُما على الأُخرى. وبِهذا التَّوازي يَختَتِمُ الكِتابُ السّورة، وهو العَدلُ في صورَتِه الصّافِية، فما وَضَعَه العامِلُ يوضَعُ على الكَفّة، أيَّ نَوعٍ كان.

وفي هذا التَّوازي رَدٌّ خَفِيٌّ على نَفسٍ تَستَنكِرُ صِغَرَ الذَّنبِ كما تَستَهينُ بِصِغَرِ المَعروف، والحَدُّ الذي قَلَّلَت مِنه كافٍ لِلظُّهور، فالكَلِمةُ التي قالَها المَرءُ في زَلّة، والنَّظرةُ التي رَمى بِها بِلا قَصد، والكَتمةُ التي كَتَمَها وهو عالِم، كُلُّها مِثقالُ ذَرَّةٍ شَرّاً، وهو سيَراها.

«شَرّاً يَرَه»: الشَّرُّ الذي يَنتَشِرُ ثمّ يَعودُ

والشَّرُّ من ش-ر-ر، وفيه مَعنى الانتِشارِ المُتَتابِع، فهو ضَرَرٌ يَنتَشِرُ ولا يَنحَبِسُ في مَوضِعٍ واحِد. ومَن أرسَلَ كَلِمةً مَكسورةً ظَنَّها حَدَثَت ثُمَّ زالَت، وهي قد انتَشَرَت، وسَلامَتُه من تَبِعَتِها كانَت ظَنّاً، لا حَقّاً.

والآيةُ تَرُدُّ هذا الانتِشارَ إلى صاحِبِه بِصورَتِه الأُولى، ومَعنى «يَرَه» أنَّه يَرى الذَّرّةَ التي بَثَّ شَرَّها، فالفِعلُ الذي خَرَجَ من باطِنِه ثُمَّ انتَثَرَ في النّاسِ يَعودُ إلَيه مَجموعاً، وما فَقَدَ صورَتَه في الزَّحمةِ يَستَعيدُها في المَشهَد.

وفي البَقَرةِ يَرِدُ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، ومَعنى حَبَطَ فَسَدَ بَعدَ ظُهور، والحَبْطُ في الإبِلِ مَوتٌ يَعقُبُ شِبَعاً من نَباتٍ مُؤذٍ، تَأكُلُه فيُتخِمُها فيَنفُخُ بَطنَها فتَموت. وكذلك العَمَلُ المُعَدّى بِشَرٍّ، يَنتَفِخُ في صاحِبِه ثُمَّ يَنفَجِر، والذَّرّةُ التي ظُنَّت لا شَيءَ كانَت بِدايةَ هذا الانتِفاخ.

السورةُ تُغلَقُ على المِيزان

وقد بَدَأَتِ السّورةُ بِزِلزالٍ وانتَهَت بِميزان، فالزِّلزالُ هَدَمَ كُلَّ ما على الأرض، والميزانُ يُعيدُ بِناءَ كُلِّ شَيءٍ من الذَّرّاتِ التي صَنَعَتها، ولا فَوضى في النِّهاية. وكانَ الزِّلزالُ بَوّابةً، والذَّرّةُ هي العُملة، والمَدخَلُ زَلزَلَ، والمَخرَجُ وَزَن.

و«يَرَه» الأخيرةُ هي الكَلِمةُ الأُسُّ في السّورة، وقد عُدِلَ فيها عن «ستُجزى» و«ستُعاقَب» إلى «ستَرى»، فالجَنّةُ في هذه السّورةِ ما يَراه العامِلُ من خَيرٍ صَنَعَه، والنّارُ ما يَراه من شَرٍّ صَنَعَه، والفِعلُ يُنشِئُ المَنظَر، ومَن أيقَظَ نَفسَه على هذا عَمِلَ كأنَّ كُلَّ ذَرّةٍ مَرئِيّة.


حَصيلة

هذه الآيةُ الجَناحُ الثّاني لِلآيةِ السّابِقة، والصِّياغةُ نَفسُها حَرفاً بِحَرف: «مَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ... يَرَه»، ولم يَتَغَيَّرْ إلّا «خَيراً» إلى «شَرّاً» (ش-ر-ر). ولا تَهديدَ يُغرِقُ ولا تَرغيبَ يَتَدَفَّق، فهُما صورَتانِ مُتَوازِيَتانِ يَفصِلُ بَينَهُما واوٌ واحِد، والتَّوازي نَفسُه هو الحُكم، وهو العَدلُ في صورَتِه الصّافِية، فما وَضَعَه العامِلُ يوضَعُ على الكَفّة، أيَّ نَوعٍ كان. والذَّرّةُ التي استَهانَ بِها سيَراها: الكَلِمةُ التي قالَها في زَلّة، والنَّظرةُ التي رَمى بِها بِلا قَصد، والكَتمةُ التي كَتَمَها عالِماً، كُلُّها مِثقالُ ذَرَّةٍ شَرّاً. والسّورةُ التي بَدَأَت بِزِلزالِ الأرضِ تَنتَهي بِزِلزالِ الذَّرّة، والكَونُ كُلُّه في الميزان، من أثقَلِه إلى أخَفِّه.