الإسراء · الآية 82

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا

«وَنُنَزِّلُ»: نُزولٌ لم يَنتَهِ بَعد

مُضارِعٌ لا ماضٍ. الآيةُ قَبلَها قالَت «جَاءَ» و«زَهَقَ»، فِعلَينِ تامَّينِ، وهذه تَقولُ «نُنَزِّلُ» فِعلاً مُستَمِرّاً. ما تَمَّ يُخبَرُ عنه بِالماضي، وما هو جارٍ يُخبَرُ عنه بِالمُضارِع.

والوَزنُ تَفعيلٌ لا إفعال. «نُنَزِّلُ» فيه تَكثيرٌ وتَفريقٌ لِلحَدَثِ على أوقات، لا دَفعةٌ واحِدة. والسّورةُ نَفسُها تَقولُ ذلك بِلَفظِها في مَوضِعٍ آخَر: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ ثُمَّ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾. فَرقٌ ثُمَّ تَنزيل: مُفَرَّقٌ يُنَزَّلُ مُفَرَّقاً.

«مِنَ الْقُرْآنِ»: حَرفٌ لا يُمَرُّ عَلَيه

لم يُقَلْ «ونُنَزِّلُ القُرآنَ شِفاءً». قيلَ «مِنَ الْقُرْآنِ». وحَرفُ الجَرِّ هُنا يَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ لِلتَّبعيضِ فيَكونَ المُنَزَّلُ بَعضاً يُؤخَذُ من كُلّ، وأن يَكونَ لِبَيانِ الجِنسِ فيَكونَ المُنَزَّلُ هو هو.

والوَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُلغى أحَدُهُما. لكنَّ الوَجهَ الأوَّلَ يُلائِمُ الوَزنَ الذي بُنِيَ عَلَيه الفِعل: تَنزيلٌ مُفَرَّقٌ يَقتَضي أن يَنزِلَ في كُلِّ مَرَّةٍ بَعضٌ لا كُلّ. فالتَّبعيضُ إن قُرِئَ فهو تَبعيضُ النُّزول، لا تَبعيضُ الأثَر.

وهذا الفَرقُ هو مَوضِعُ الزَّلَل. مَن قَرَأَ «مِن» تَبعيضاً في الأثَرِ قَسَمَ المُنَزَّلَ قِسمَين: قِسماً يَشفي وقِسماً لا يَشفي. والشَّطرُ الثّاني من الآيةِ يَمنَعُ هذه القِسمة، كَما سَيَأتي.

«مَا هُوَ شِفَاءٌ»: صِلةٌ لا خَبَر

«مَا» مَوصولةٌ، و«هُوَ شِفَاءٌ» صِلَتُها. فالتَّركيبُ يَصِفُ المُنَزَّلَ بِأنَّه الذي هذا شَأنُه، ولا يَقولُ «القُرآنُ شِفاء» على جِهةِ الحَدِّ والتَّعريف. عِبارةٌ تَصِفُ ولا تُعَرِّف.

و«شِفَاءٌ» من ش-ف-ي، وهو جَذرُ الحافَّةِ الرَّقيقةِ التي يُنفَذُ منها. تَقولُ العَرَبُ «الشَّفَة» لِحافَّةِ الفَم، و«شَفا الحُفرةِ» لِحَرفِها الذي لا شَيءَ بَعدَه، و«أشفى على الأمرِ» إذا صارَ على حافَّتِه، و«شَفَّ الثَّوبُ» إذا رَقَّ حَتّى بانَ ما وَراءَه. فالمَعنى الجامِعُ رِقّةٌ تَبلُغُ الحَدَّ الفاصِلَ فيُعبَرُ منه إلى ما وَراءَه.

فالشِّفاءُ في هذا الأصلِ لَيسَ شَيئاً يوضَعُ على مَوضِع. هو بُلوغُ الحافَّةِ التي بَينَ حالَينِ ثُمَّ العُبورُ منها. والآيةُ لا تَذكُرُ مادَّةً ولا عَمَلاً يُعمَل؛ تَذكُرُ نازِلاً هذا وَصفُه.

«وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ»: اسمانِ مُنَكَّرانِ ولامٌ تَحُدّ

«شِفَاءٌ» و«رَحْمَةٌ» كِلاهُما بِلا تَعريف. لم يُقَلِ «الشِّفاءُ» ولا «الرَّحمةُ»، فلَيسَ الكَلامُ حَصراً لِجِنسِ الشِّفاءِ في هذا النّازِل.

ثُمَّ تَأتي اللّامُ فتَحُدُّ الجِهة: «لِّلْمُؤْمِنِينَ». والحَدُّ واقِعٌ على مَن يَنالُه الوَصفُ لا على النّازِلِ نَفسِه. والسّورةُ افتَتَحَت هذا البابَ من أوَّلِها: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ثُمَّ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. هُدىً مُطلَقٌ وبُشرى مَحدودةٌ بِقَوم، كَما هُنا نُزولٌ مُطلَقٌ وشِفاءٌ مَحدودٌ بِقَوم.

«وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا»: نازِلٌ واحِدٌ وأثَرانِ

الفاعِلُ في «يَزِيدُ» هو النّازِلُ نَفسُه، ولم يُذكَرْ لَه فاعِلٌ آخَر. فالذي هو شِفاءٌ لِهَؤُلاءِ هو الذي يَزيدُ أُولئِكَ خَساراً. شَيءٌ واحِدٌ يَنزِل، ويَفتَرِقُ النّاسُ تَحتَه.

وهُنا يُحسَمُ ما تُرِكَ مُعَلَّقاً في «مِن». لَو كانَتِ القِسمةُ في المُنَزَّلِ لَاختَلَفَ الفاعِلانِ، ولَكانَ الشّافي غَيرَ الزّائِد. الآيةُ تُبقي الفاعِلَ واحِداً وتُغَيِّرُ المَفعول. فالقِسمةُ في القابِلِ لا في النّازِل.

و«يَزِيدُ» جَذرُها ز-ي-د: نَفاذٌ يُجاوِزُ حَدّاً ثُمَّ يَثبُتُ في مَوضِعِه الجَديد. فالزِّيادةُ إثباتُ شَيءٍ فَوقَ ما كان. وهذه الصّيغةُ تَجري في السّورةِ ثَلاثاً: وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ وفَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ ثُمَّ هذه. وفي الأُولَيَينِ ضَميرٌ، وهُنا وَحدَها يُسَمّى المَزيدون: «الظَّالِمِينَ».

و«خَسَارًا» من خ-س-ر: نُقصانٌ يَسري في الرَّصيدِ ويَجري فلا يَقِف. فالمَزيدُ نَقص. زِيادةٌ مَضمونُها انتِقاص، وهذا أدَقُّ ما في السَّطر: لا يُقالُ إنَّهُم لم يَنالوا شَيئاً، بَل إنَّهُم نالوا، والذي نالوهُ هو النَّقص.


حَصيلة

فِعلٌ مُضارِعٌ على وَزنِ التَّفعيلِ يَقولُ نُزولاً مُفَرَّقاً لم يَنقَطِعْ بَعد، بَعدَ آيةٍ كُلُّ أفعالِها ماضِيةٌ تامّة. ثُمَّ «مِن» تُقرَأُ ولا تُمَرُّ: تَبعيضٌ يُلائِمُ تَفريقَ التَّنزيلِ في أوقاتِه، لا تَبعيضٌ يَقسِمُ المُنَزَّلَ إلى شافٍ وغَيرِ شافٍ. و«مَا هُوَ شِفَاءٌ» صِلةٌ تَصِفُ ولا تَحُدّ، والشِّفاءُ في جَذرِه بُلوغُ الحافَّةِ التي بَينَ حالَينِ ثُمَّ العُبورُ منها، لا مادّةٌ توضَعُ ولا عَمَلٌ يُعمَل. واسمانِ مُنَكَّرانِ تَحُدُّهُما لامٌ واحِدةٌ فتَجعَلُ الحَدَّ في المُتَلَقّي لا في النّازِل. ثُمَّ يَبقى الفاعِلُ نَفسُه في الشَّطرِ الثّاني، فيَزيدُ قَوماً آخَرينَ خَساراً، وهذا وَحدَه يُغلِقُ بابَ القِسمةِ في المُنَزَّل: شَيءٌ واحِدٌ يَنزِلُ فيَفتَرِقُ النّاسُ تَحتَه. وقد جَرَت هذه الصّيغةُ في السّورةِ مَرَّتَينِ قَبلَ هذه بِضَميرٍ مُبهَم، وهُنا وَحدَها يُسَمّى المَزيدون. والزِّيادةُ إثباتُ شَيءٍ فَوقَ ما كان، والمُثبَتُ هُنا نُقصانٌ يَجري ولا يَقِف. فمَن لم يَعبُرِ الحافَّةَ لم يَقِفْ مَكانَه، بَل مَضى في الجِهةِ الأُخرى.