الإسراء · الآية 87
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِلَّا»: آيةٌ تَفتَتِحُ بِأداةِ استِثناءٍ ولا فِعلَ في السَّطر
اقرَأِ السَّطرَ وَحدَه: أداةُ استِثناء، ثُمَّ اسمٌ مَنصوب، ثُمَّ جارٌّ ومَجرور. ولا فِعلَ ظاهِرٌ يُستَثنى منه شَيء.
فالآيةُ لا تَقومُ بِنَفسِها بِناءً. هي شَطرُ جُملةٍ صَدرُها في الآيةِ قَبلَها، وحُدَّت آيةً على حِدَتِها وهي مُعَلَّقةٌ بِما سَبَق. ومَن قَرَأها مُفرَدةً لم يَجِدْ ما تُخرِجُه من ماذا.
والمُستَثنى منه لَيسَ كَلِمةً بَعينِها في الآيةِ قَبلَها بَل الشَّرطُ كُلُّه: لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وما تَلاهُ من نَفيِ الحائِز. الاستِثناءُ يَقَعُ على البِناءِ بِتَمامِه لا على طَرَفٍ منه.
«رَحْمَةً» مَنصوبةً: وَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُحسَمُ أحَدُهُما
النَّصبُ يَحتَمِلُ أن تَكونَ مُستَثنىً مُنقَطِعاً، فالمَعنى أن لا شَيءَ يَحبِسُ ذلك الأخذَ لَكِنَّ رَحمةً حَبَسَتْه. ويَحتَمِلُ أن تَكونَ مَفعولاً لِأجلِه، فالمَعنى أنَّ الإبقاءَ كانَ لِأجلِ رَحمة.
والوَجهانِ يُقالانِ ولا يُرَجَّحُ واحِدٌ تَرجيحاً قاطِعاً، فالسَّطرُ لم يُصَرِّحْ بِعامِلٍ يَفصِلُ بَينَهُما. وما تُعطيهِ الصّيغَتانِ مَعاً واحِد: أنَّ ما يَقِفُ في وَجهِ ذلك الأخذِ رَحمةٌ لا مانِعٌ آخَر.
و«رَحْمَةً» بِلا تَعريف. لم يُقَلْ «إلّا الرَّحمة» فتَكونَ مَعهودةً مَعروفة. وقد جاءَتِ الكَلِمةُ في هذه السّورةِ قَريباً مُنَكَّرةً كَذلك: وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. هُناكَ مُنَكَّرةٌ مَحدودةٌ بِلامٍ إلى قَوم، وهُنا مُنَكَّرةٌ مَنسوبةٌ بِـ«مِن» إلى مَصدَر.
جَذرُ الرَّحمةِ يُقابِلُ فِعلَ الآيةِ قَبلَها
الآيةُ السّابِقةُ بُنِيَت على فِعلٍ يَمضي ويَحمِلُ مَعَه ما أُنزِل. وهذه تُجيبُها بِاسمٍ جَذرُه ر-ح-م: احتِواءٌ في باطِنٍ يُمسِكُ ما فيه ولا يُسلِمُه، ومنه ما يَحتَوي الحَملَ في الباطِنِ فيُمسِكُه حَتّى يَتِمّ.
فما هُدِّدَ بِأنَّه يُذهَبُ بِه يُقابَلُ بِما شَأنُه أن يُمسَكَ فيه. حَملٌ وانصِرافٌ في السَّطرِ الأوَّل، واحتِواءٌ وإمساكٌ في الثّاني. الحَرفانِ يَتَقابَلانِ قَبلَ أن يَتَقابَلَ المَعنَيان.
«مِّن رَّبِّكَ»: ثالِثةُ النِّسَبِ في أربَعِ آيات
عُدِّ الإضافاتِ في هذا المَقطَع. قيلَ «فَرَبُّكُمْ» بِخِطابِ الجَماعة، ثُمَّ قيلَ «رَبِّي» بِإفرادِ المُتَكَلِّم، ثُمَّ يُقالُ هُنا «رَّبِّكَ» بِإفرادِ المُخاطَب. ثَلاثُ نِسَبٍ في أربَعِ آياتٍ، وكُلُّ واحِدةٍ لِجِهة.
وهذه الأخيرةُ تَقَعُ حَيثُ نُفِيَ عن المُخاطَبِ أن يَجِدَ حائِزاً. سُلِبَ ما يَطلُبُه ونُسِبَ إلَيه رَبُّه. لا يَجِدُ لِنَفسِه أحَداً، ويُقالُ لَه إنَّ الذي أخَذَ هو الذي رَحِم.
«إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا»: فائِضٌ لم يُطلَبْ
«فَضْلَهُ» جَذرُها ف-ض-ل: فَرزٌ يَقَعُ بِضَغطٍ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه فيَبقى عِندَه فَوقَ ما لِغَيرِه. ومنه ما يَفضُلُ من الشَّيءِ بَعدَ أخذِ الحاجةِ منه، فالفَضلُ زائِدٌ عن المِقدار.
وقد ذُكِرَ الفَضلُ في هذه السّورةِ مَرَّتَينِ مَقروناً بِطَلَب: لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾. هُناكَ يُبتَغى ويُسعى إلَيه، وهُنا يُخبَرُ بِأنَّه واقِعٌ ولا يُذكَرُ طالِب. الكَلِمةُ واحِدةٌ، والفارِقُ أنَّ هذا لم يُطلَب.
و«كَانَ» تَرُدُّ الوَصفَ إلى ما قَبلَ هذا المَوضِع، كَما رَدَّتْه في أوَّلِ هذا المَقطَع: إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. هُناكَ حَدَثٌ صارَ طَبعاً سابِقاً لِلحَدَث، وهُنا عَطاءٌ يُقالُ إنَّه كانَ ولم يَزَلْ. سَبعُ آياتٍ يَفتَحُها «كانَ» ويَختِمُها «كانَ».
ثُمَّ «عَلَيْكَ». وهو الحَرفُ نَفسُه الذي وَرَدَ في السَّطرِ السّابِقِ في الجِهةِ المُقابِلة: عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. هُناكَ نُفِيَ أن يُوجَدَ شَيءٌ «عَلَينا»، وهُنا يُثبَتُ أنَّ الفَضلَ واقِعٌ «عَلَيك». حَرفُ استِعلاءٍ في السَّطرَين: لا شَيءَ فَوقَ الآخِذ، وشَيءٌ عَظيمٌ فَوقَ المَأخوذِ منه.
و«كَبِيرًا» من ك-ب-ر، وقد قُرِئَ في هذه السّورةِ أنَّه تَراكُمٌ يَغورُ ثُمَّ يَمتَدُّ فيُجاوِزُ قَدرَه الأوَّل. والفَضلُ في أصلِه زِيادةٌ فَوقَ المِقدار، فوُصِفَتِ الزِّيادةُ بِما يَزيدُ على قَدرِه. زائِدٌ نُعِتَ بِمُجاوَزة.
حَصيلة
آيةٌ تَفتَتِحُ بِأداةِ استِثناءٍ ولا فِعلَ في سَطرِها، فهي شَطرُ جُملةٍ صَدرُها آيةٌ أُخرى، والمُستَثنى منه بِناءُ الشَّرطِ كُلُّه لا كَلِمةٌ منه. و«رَحْمَةً» مَنصوبةٌ بَينَ وَجهَين، انقِطاعٍ في الاستِثناءِ أو تَعليلٍ لِلإبقاء، ويُعلَنانِ ولا يُقطَعُ بِأحَدِهِما، وما يُعطيانِه واحِدٌ: أنَّ الواقِفَ في وَجهِ ذلك الأخذِ رَحمةٌ لا مانِعٌ سِواها. وجَذرُ الرَّحمةِ احتِواءٌ يُمسِكُ ما فيه ولا يُسلِمُه، فيُقابِلُ فِعلَ الآيةِ قَبلَها وهو مُضِيٌّ يَحمِلُ ويَخرُج: أُجيبَ الحَملُ بِإمساك. و«مِّن رَّبِّكَ» ثالِثةُ نِسبةٍ في أربَعِ آيات، بَعدَ «فَرَبُّكُمْ» و«رَبِّي»، وتَقَعُ حَيثُ نُفِيَ عن المُخاطَبِ أن يَجِدَ حائِزاً: يُسلَبُ ما يَطلُبُه ويُنسَبُ إلَيه رَبُّه. ثُمَّ «فَضْلَهُ» زائِدٌ عن المِقدارِ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه، وقد ذُكِرَ الفَضلُ في هذه السّورةِ مَرَّتَينِ مَقروناً بِابتِغاء، ويُذكَرُ هُنا واقِعاً بِلا طالِبٍ يُذكَر. و«كَانَ» تَرُدُّ الوَصفَ إلى ما قَبلَه كَما فَعَلَت في أوَّلِ هذا المَقطَع، فسَبعُ آياتٍ يَفتَحُها «كانَ» ويَختِمُها «كانَ». و«عَلَيْكَ» هي «على» التي نُفِيَ بِها في السَّطرِ السّابِقِ أن يُوجَدَ شَيءٌ «عَلَينا»: لا شَيءَ فَوقَ الآخِذِ، وفَضلٌ عَظيمٌ فَوقَ المَأخوذِ منه. فالذي يُبقي الوَحيَ لَيسَ حائِزاً تَجِدُه، بَل رَحمةٌ لم تُكَلَّفْ أن تَجِدَها.