البقرة · الآية 218
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
تسلسُلُ الأفعالِ الأربَعة: آمَنَ، هاجَرَ، جاهَدَ، رَجا
أبدأُ مِن التَّرتيبِ النَّحويّ، فالنَّصُّ يَضَعُ الأفعالَ الأربَعةَ في سَلسَلةٍ مَقصودة: «الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هاجَروا وجاهَدوا في سَبيلِ الله أُولئِكَ يَرجونَ رَحمَةَ الله». الرَّجاءُ هُنا لَيسَ في مَوضِعِ المُقَدِّمَة بل في مَوضِعِ النَّتيجة. وأُلاحِظُ أنّ مَن قَلَبَ التَّرتيبَ فَقَدَّمَ الرَّجاءَ على الجُهدِ فَقَد صَنَعَ تَديُّناً نَفسيّاً: يَرجو ثمّ يَنتَظِرُ أن يَأتيَه الأجرُ دونَ هِجرةٍ ولا جِهاد.
وأُؤَكِّدُ أنَّ هذا التَّرتيبَ نَفسَه هو الفَرقُ بَينَ الرَّجاءِ والتَّمَنّي. الرَّجاءُ حالةٌ داخليّةٌ تَعقُبُ العَمَل، والتَّمَنّي حالةٌ نَفسيّةٌ تَقومُ مَقامَ العَمَل. ولِذلك اختارَ النَّصُّ فِعلَ «يَرجُون» بَعدَ ثلاثَةِ أفعالٍ عَمَليَّة، ولَم يَختَر «يَتَمَنَّون».
(ه ج ر): الانتِقالُ عَن بِنيَةِ الظُّلمِ لا مُجَرَّدُ تَغييرِ مَكان
أنتَقِلُ إلى الجِذرِ الأوّل. (ه ج ر) في أصلِ لُغَتِه يَعني تَركَ الشَّيءِ تَركاً فيه قَطيعة. يُقالُ «هَجَرَ الكلامَ» أي تَرَكَه تَركَ مُفارَقةٍ لا تَركَ إهمال. ومِنه سُمِّيَت الهِجرةُ لأنّها لَيسَت سَفَراً فَحَسب، بَل قَطيعةٌ مَقصودةٌ مع بِنيَةٍ لا يُمكِنُ العَيشُ فيها بِعَدل.
وأُبَيِّنُ أنَّ الآيةَ حينَ قالَت «هاجَروا في سَبيلِ الله»، قَيَّدَتِ الهِجرةَ بِسَبيلِ الله. فَلَيسَت كُلُّ هِجرةٍ هِجرةً في القُرآن: الهِجرةُ الاقتِصاديّةُ البَحتَةُ وَراءَ الرِّزقِ ليست موضوعَ الآية. الهِجرةُ المُرادةُ هُنا هي الَّتي تَحدُثُ لأنّ البِنيَةَ القائمةَ تَمنَعُ الإنسانَ مِن أن يَعيشَ مَضمونَ إيمانِه بِحُرّيّة.
(ج ه د): بَذلُ الوُسعِ لِإرساءِ البِنيَةِ البَديلة
وأُؤَكِّدُ أنَّ (ج ه د) في أصلِ وَضعِها اللُّغَويّ تَدُلُّ على المَشَقَّةِ في استِخراجِ الطَّاقة. «الجُهد» بالضَّمّ هو الوُسع، و«الجَهد» بالفَتحِ هو المَشَقَّة. و«جاهَدَ» على وَزنِ «فاعَلَ» يُفيدُ المُشارَكةَ والمُقابَلة: بَذلُ الوُسعِ في مُقابَلةِ ما يَستَهلِكُه.
ولا يَصِحُّ عِندي اختِزالُ الجِهادِ في القِتال. القِتالُ صورةٌ مِن صُوَر الجِهاد، لكنَّ الجِهادَ أعَمُّ: كلُّ بَذلٍ لِلوُسعِ في سَبيلِ الله فَهوَ جِهاد. ولِذلك جاءَ النَّصُّ بِصيغةِ «جاهَدوا» بَعدَ «هاجَروا»، فالهِجرةُ فِعلُ انتِقالٍ ابتِدائيّ، والجِهادُ بَذلٌ مُستَمِرٌّ لِتَحقيقِ أهدافِ الانتِقال.
(س ب ل): الطَّريقُ ذو الاتِّجاه، لا كُلُّ طَريق
وأُلاحِظُ أنَّ النَّصَّ قَيَّدَ الهِجرةَ والجِهادَ مَعاً بِقَيدٍ واحِد: «في سَبيلِ الله». و(س ب ل) في لُغَتِها هي الطَّريقُ الواضِحُ المُمتَدّ. وقد جاءَت هُنا مُضافَةً إلى الله، فأصبَحَت تَعني طَريقاً ذا اتِّجاهٍ مُعَيَّن، لا مُجَرَّدَ حَرَكةٍ في أيِّ اتِّجاه.
وأُبَيِّنُ أنَّ هذا القَيدَ صِمامُ أمانٍ ضِدَّ خَلطِ المَفاهيم. لَيسَ كُلُّ تَركٍ لِلوَطَنِ هِجرةً في سَبيلِ الله، ولَيسَ كُلُّ قِتالٍ جِهاداً في سَبيلِ الله. القَيدُ يَكشِفُ النِّيَّةَ والبِنيَة مَعاً: أيُّ بِنيَةٍ تُرِكَت، وأيُّ بِنيَةٍ يُسعى إليها.
(ر ج و): الرَّجاءُ حالةٌ نَفسيّةٌ مُلائِمةٌ لا وَعدٌ مَضمون
وأُؤَكِّدُ أنَّ (ر ج و) في أصلِها تَدُلُّ على تَوَقُّعٍ قائمٍ على أسباب. ليست «رَجاءً» في معنى التَّمَنّي، بل هي انتِظارٌ مُستَنِدٌ إلى عَمَل. ولِذلك قالَ النَّصُّ «يَرجُون» ولَم يَقُل «سَيَحصُلون». الآيةُ لا تَعِدُ حُصولَ الرَّحمةِ بِاستِحقاق، بَل تَصِفُ الحالةَ النَّفسيّةَ المُلائِمة لِمَن فَعَلَ ما فَعَل.
وأُبَيِّنُ أنَّ في هذا أدَباً رَفيعاً مع الله. المُهاجِرُ المُجاهِدُ لا يَقولُ «قَد وَجَبَت لي الرَّحمة»، بَل يَقولُ «أرجو رَحمةَ الله». فالرَّجاءُ يَتَوَسَّطُ بَينَ يَقينِ العَمَلِ ويَقينِ الجَزاء، ويَحفَظُ لِلعَبدِ افتِقارَه إلى رَبِّه حتّى بَعدَ بَذلِ الوُسع.
(غ ف ر) + (ر ح م): الخاتِمةُ الَّتي تَستَقبِلُ النَّقص
وأُلاحِظُ أنَّ الآيةَ تَختِمُ باسمَينِ لا باسمٍ واحد: «واللهُ غَفورٌ رَحيم». (غ ف ر) في أصلِها السَّترُ مع الوِقاية، ومِنه «المِغفَر» وهو ما يَستُرُ الرَّأسَ في القِتال ويَقيه. فالمَغفِرةُ لَيسَت مَحواً لِلخَطَأِ فَحَسب، بَل سَترٌ له مع حِمايةٍ مِن أثَرِه.
و(ر ح م) مِن الرَّحِم، وهي الوِعاءُ الَّذي يَستَقبِلُ ما هو ناقِصٌ ويُنَمّيه. فالرَّحمةُ بِنيَةٌ مُحتَضِنةٌ، لا مَشاعِرُ عابِرة. واقتِرانُ الاسمَينِ في خاتِمةِ الآيةِ يَقولُ لِلمُهاجِرِ المُجاهِد: «قد تَكونُ في هِجرَتِكَ خَلَلٌ، وفي جِهادِكَ تَقصير، والغَفورُ يَستُرُ الخَلَل والرَّحيمُ يَحتَضِنُ النَّقص».
البِنيَةُ العامَّة لِلآية: ثلاثَةُ أفعالٍ فاسمانِ
وأُؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ كُلَّها تَنتَظِمُ في تَصميمٍ مَعرفيٍّ واحد: ثَلاثةُ أفعالٍ عَمَليّة (آمَنوا، هاجَروا، جاهَدوا)، يَعقُبُها فِعلٌ داخليّ (يَرجُون)، تُتَوِّجُه خاتِمةٌ باسمَينِ إلهيَّينِ (غَفور، رَحيم). هذا التَّصميمُ يَرسُمُ دائرةً كامِلة: العَمَلُ يَبدَأ مِن القَلب (إيمان)، يَنتَقِلُ إلى الواقِع (هِجرةٌ وجِهاد)، يَعودُ إلى القَلب (رَجاء)، ثمّ يَستَقبِلُه الله بِاسمَينِ يُلاقِيانِ النَّقصَ لا يُكافِئانِ الكَمال.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «الهِجرةُ» اسمٌ لِدَورِ القَطيعةِ مع بِنيَةِ الظُّلم، و«الجِهادُ» اسمٌ لِدَورِ بَذلِ الوُسعِ في بِنيَةِ العَدلِ البَديلة، و«الرَّجاءُ» اسمٌ لِلحالةِ النَّفسيّةِ الَّتي تَعقُبُ استِنفاذَ الجُهدِ لا الَّتي تَقومُ مَقامَه، و«الغَفور الرَّحيم» اسمانِ لِبِنيَةٍ إلهيّةٍ تَستَقبِلُ النَّقصَ في هذا كُلِّه. فَمَن قَلَبَ التَّرتيبَ، تَديَّنَ بِرَجاءٍ بلا هِجرة، وبِانتِظارٍ بلا جِهاد، وظَنَّ نَفسَه مُطَمئِنّاً على ما هو في الحَقيقةِ تَمَنٍّ لا رَجاء.
حَصيلة
تَرسُمُ هذه الآيةُ تَسَلسُلاً رَباعيّاً لا يَقبَلُ الانعِكاس. آمَنوا من -أ-م-ن-: تَثبيتُ الذَّاتِ حَولَ مَركَزٍ لا يُرى، ثمَّ هاجَروا من -ه-ج-ر-: قَطيعةٌ مَقصودةٌ مع بِنيَةٍ لا يُمكِنُ العَيشُ فيها بعَدل، ثمَّ جاهَدوا من -ج-ه-د- في سَبيلِ اللهِ: بَذلُ الوُسعِ في مُقابَلةِ ما يَستَهلِكُه. ثمَّ الثَّمرةُ الرَّابعةُ: أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾. والرَّجاءُ من -ر-ج-و- تَوَقُّعٌ قائمٌ على أسباب، لا تَمَنٍّ عابِر. الآيةُ تَضَعُه في مَوضِعِ النَّتيجةِ لا المُقَدِّمة: مَن آمَنَ ولَم يُهاجِر ولَم يُجاهِد، رَجاؤُه تَمَنٍّ لا رَجاء. ويَختِمُ الاسمانِ الإلهيّانِ -غ-ف-ر- و-ر-ح-م-: الغَفورُ السَّترُ مع الوِقاية، والرَّحيمُ من الرَّحِمِ الوِعاءُ الذي يَحتَضِنُ الناقِصَ ويُنَمِّيه. هُما معاً إعلانٌ لِمَن في هِجرَتِه خَلَلٌ وفي جِهادِه تَقصير: الغَفورُ يَستُرُ الخَللَ والرَّحيمُ يَحتَضِنُ النَّقص.