الإسراء · الآية 100

﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا

«قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ»: فَرضٌ آخَرُ يُملى بِصيغةٍ سَبَقَت

افتُتِحَتِ الآيةُ بِما افتُتِحَ بِه فَرضٌ قَريبٌ في هذه السّورة: قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾ ثُمَّ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾، ففي المَوضِعَينِ أمرٌ بِالقَولِ ثُمَّ أداةُ امتِناع، وقد فُرِضَ هُناكَ ساكِنُ الأرضِ غَيرَ ما هو، ويُفرَضُ المُخاطَبونَ هُنا مالِكينَ ما لَيسَ لَهُم.

وفي المَبنى دِقّة، فقد عُدِلَ عن «لَو مَلَكتُم» إلى الفَصلِ بَينَ «لَو» والفِعلِ بِضَميرٍ مُنفَصِل، هو «أَنتُمْ»، والفَصلُ يُلقي الثِّقَلَ على الأشخاصِ لا على الفِعل، فالمَفروضُ حُصولُ المِلكِ في أيديكُم أنتُم، دونَ حُصولِه في نَفسِه.

و«تَمْلِكُونَ» مُضارِعٌ يُفيدُ الاستِمرارَ لا اللَّحظة، والمِلكُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه. والفَرضُ يُقامُ ثُمَّ يُترَكُ لِجَوابِه، ولا يُجادَلُ أحَدٌ في شَيء.

«خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي»: ثَلاثُ إضافاتٍ تُبعِدُ المَفروضَ عن فارِضِه

والمَفروضُ في أيديهِم غَيرُ المالِ والرِّزق، فهو «خَزائِن»، ثُمَّ هي خَزائِنُ «رَحمة»، ثُمَّ هي رَحمةُ «رَبّي»، وتِلكَ ثَلاثُ حَلَقاتٍ مُتَتابِعةٍ يَبتَعِدُ بِكُلِّ واحِدةٍ مِنها المَفروضُ عَمَّن فُرِضَ لَه.

ومادّةُ خ-ز-ن فَراغٌ يُكتَنَزُ فيه المَتاعُ مَضغوطاً ثُمَّ يُحبَسُ في جَوفٍ مُغلَق، ومِنه «خَزَنَ الشَّيءَ» إذا أحرَزَه فمَنَعَه. فالخِزانةُ في حُروفِها مَوضِعُ حَبسٍ لا مَوضِعُ بَذل، وهي هُنا جَمعٌ لا واحِدة، فالمَفروضُ تَسليمُه إلَيهِم هو نَفسُه الشَّيءُ الذي وَظيفَتُه الإمساك.

والرَّحمةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه هذه الجُملةُ إضافَتُها إلى «رَبّي» بِياءِ المُتَكَلِّم، فقد نُسِبَت إلى رَبِّ القائِلِ دونَ المُخاطَبين، فبَقِيَت في الفَرضِ نَفسِه غَيرَ مَملوكةٍ لَهُم وإن مَلَكوا خَزائِنَها.

«إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ»: جَوابٌ يُؤَكَّدُ مَرَّتَين

وجاءَ الجَوابُ بِأداتَين، «إِذًا» تَجزي الشَّرطَ وتَجيبُه، ثُمَّ لامٌ في صَدرِ الفِعل، وهو تَوكيدٌ فَوقَ تَوكيدٍ لِنَتيجةٍ لم تَقَعْ ولن تَقَع.

وأصلُ م-س-ك امتِساكٌ يَحتَوي في حَصرٍ ضَيِّقٍ ثُمَّ يُكتَمُ فيَحتَبِسُ في مَوضِعِه، فالإمساكُ قَبضٌ يَحتَوي ويَكتِمُ فلا يُفلِتُ ما تَحتَه. ولم يُذكَرْ لِلفِعلِ مَفعول، فقد ذُكِرَ الإمساكُ ولم يُذكَرْ ما أُمسِك، والحَرَكةُ نَفسُها هي الخَبَر.

وفي الكَلامِ مُقابَلة، فالخَزائِنُ في اليَدِ وَظيفَتُها الحَبس، واليَدُ تَقبِضُ فتَحبِس، ولَو سُلِّمَ الحابِسُ إلى حابِسٍ لَما خَرَجَ مِنه شَيء.

«خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ»: خَشيَتانِ مَنصوبَتانِ في سورةٍ واحِدة

و«خَشْيَةَ» مَفعولٌ لِأجلِه، أي عِلّةٌ مَنصوبةٌ تُصَرِّحُ بِسَبَبِ الفِعلِ لا بِوَصفِه، وهذه ثانِيَةُ خَشيَتَينِ في هذه السّورةِ على هذا الإعرابِ بِعَينِه: الأولى في وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، والثّانِيَةُ هُنا في لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾.

واللَّفظُ واحِدٌ والمَوقِعُ واحِدٌ والمَخشِيُّ مُختَلِف، فهُناكَ خَشيَةُ حالٍ قد تَنزِلُ بِالخاشي، وهُنا خَشيَةُ فِعلٍ يَصدُرُ عنه هو، فالأولى خَوفٌ مِمّا يَقَعُ على الخائِف، والثّانِيَةُ خَوفٌ مِمّا يَفعَلُه هو.

ويَفتَرِقانِ في التَّعريفِ والتَّنكير، فالمَخشِيُّ الأوَّلُ نَكِرةٌ لم تُحَدَّدْ بِوَقتٍ ولا بِمِقدار، والمَخشِيُّ الثّاني مَعرِفةٌ بِـ«ال» يُرادُ بِها الجِنسُ كُلُّه، لا نَفَقةٌ بِعَينِها. والإنفاقُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والخَشيَةُ كَذلك.

ثُمَّ إنَّ لِكُلِّ واحِدةٍ مِنهُما ما تَلِدُه، فالأولى عِلّةُ قَتلٍ يَقَعُ على غَيرِ صاحِبِها، والثّانِيَةُ عِلّةُ إمساكٍ يَقَعُ في يَدِ صاحِبِها، وتِلكَ خَوفٌ يَمتَدُّ حتّى يُزهِق، وهذه خَوفٌ يَنكَمِشُ حتّى يَقبِض. وهُما في الإعرابِ سَواء، كِلتاهُما عِلّةٌ مَنصوبةٌ لِفِعل، ومَعَ ذلك لم يُعذَرْ واحِدٌ مِنهُما.

«وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا»: يُترَكُ المُخاطَبونَ ويُذكَرُ الجِنس

وكانَ الخِطابُ إلى هُنا بِضَميرِ جَماعةِ المُخاطَبين، في «أَنتُمْ» و«تَمْلِكُونَ» و«لَّأَمْسَكْتُمْ»، ثُمَّ تُرِكَ المُخاطَبونَ وذُكِرَ «الْإِنسَانُ» بِـ«ال»، فخَرَجَ الحُكمُ من قَومٍ بِأعيانِهِم إلى الجِنسِ الذي هُم مِنه.

و«كَانَ» هُنا لِلثُّبوتِ لا لِمُضِيٍّ انقَطَع، والإنسانُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه. و«قَتُورًا» على وَزنِ فَعول، وهي صيغةٌ تَجعَلُ الوَصفَ عادةً لازِمةً لا حادِثةً تَعرِض.

ومَدارُ ق-ت-ر على عَقدٍ في العُمقِ يَنقَطِعُ مِنه شَيءٌ رَقيقٌ خَفيفٌ فيَنفَلِت، ومِنه «القُتار» لِلرّائِحةِ الدَّقيقةِ تَصعَدُ من المَشوِيِّ في خَيطٍ رَفيع، و«قَتَّرَ على أهلِه» إذا ضَيَّقَ في النَّفَقة. فالقَتُورُ مُضَيِّقٌ يُخرِجُ القَليلَ ويُبقي الأكثَر، وهو غَيرُ مانِعٍ يَقطَع، والخَزائِنُ لَو صارَت إلَيه لَخَرَجَ مِنها ذلك الخَيطُ وَحدَه.


حَصيلة

فَرضٌ آخَرُ يُملى بِالصّيغةِ التي أُملِيَ بِها فَرضٌ قَبلَه في هذه السّورة، وقد فُصِلَ بَينَ الأداةِ والفِعلِ بِضَميرٍ مُنفَصِلٍ فوَقَعَ الثِّقَلُ على الأشخاصِ لا على المِلك. والمَفروضُ تَسليمُه خَزائِن، وهي في حُروفِها مَواضِعُ حَبسٍ لا مَواضِعُ بَذل، ثُمَّ هي لِرَحمة، ثُمَّ هي لِرَبِّ القائِل، فثَلاثُ إضافاتٍ تُبعِدُ المَفروضَ عَمَّن فُرِضَ لَه. والجَوابُ مُؤَكَّدٌ بِأداةٍ ولامٍ لِنَتيجةٍ لن تَقَع، وفِعلُه قَبضٌ يَحتَوي ويَكتِمُ ولا مَفعولَ لَه في اللَّفظ. ثُمَّ عِلّةٌ مَنصوبةٌ هي الثّانِيَةُ في هذه السّورة: هُناكَ خَشيَةُ حالٍ تَنزِل، وهُنا خَشيَةُ فِعلٍ يَصدُر، وتِلكَ نَكِرةٌ وهذه بِـ«ال» فتَعُمُّ الجِنس، وتِلكَ عِلّةُ قَتلٍ يَقَعُ على غَيرِ الخائِف، وهذه عِلّةُ إمساكٍ يَقَعُ في يَدِه. ثُمَّ يُترَكُ المُخاطَبونَ ويُذكَرُ الجِنسُ بِوَصفٍ على فَعُولٍ يُضَيِّقُ مَجرى العَطاءِ ولا يَقطَعُه، فإذا افتُرِضَتِ الخَزائِنُ في هذه اليَدِ لم يَخرُجْ مِنها إلّا خَيطٌ رَفيع.