الإسراء · الآية 24

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

«وَاخْفِضْ»: أمرٌ يَفتَرِضُ ارتِفاعاً قائِماً

الخَفضُ (خ-ف-ض) إنزالُ المُرتَفِعِ حتّى يَنبَسِط. ولا يُخفَضُ ما لم يَكُنْ عالِياً. فالأمرُ في نَفسِه إقرارٌ ضِمنِيٌّ بِأنَّ ثَمَّةَ ما ارتَفَع.

والآيةُ لا تُطالِبُ بِأن تَكونَ صَغيراً؛ تُطالِبُ بِأن تُنزِلَ ما كَبُر. وهذا أثقَلُ. مَن لم يَرتَفِعْ لَيسَ عِندَه ما يَخفِضُه.

وقُدِّمَ «لَهُمَا» على المَفعول: تَعرِفُ لِمَن يُخفَضُ قَبلَ أن تَعرِفَ ما يُخفَض. اللّامُ لامُ الأجلِ، والجِهةُ تَسبِقُ الآلة.

«جَنَاحَ الذُّلِّ»: إضافةٌ تُقرَأُ من الجَذرَين

الجَناحُ (ج-ن-ح) كُتلةٌ تَستُرُ ما تَحتَها ثُمَّ تَميلُ بِصاحِبِها إلى جانِب. ومن الجَذرِ نَفسِه «جَنَحَ» أي مالَ، فالجَناحُ هو العُضوُ الذي يُمالُ بِه. فهو اسمُ آلةِ المَيل، لا رَمزٌ لِلرِّفق.

والذُّلُّ (ذ-ل-ل) لِينٌ يَنقادُ بِه الشَّيءُ لِمَن أخَذَه. ومنه الدّابّةُ الذَّلولُ التي تُقادُ بِلا نِزاع، والأرضُ الذَّلولُ السَّهلةُ يُمشى فيها، وذُلِّلَ العِذقُ إذا دُنِّيَ لِلقاطِف. لَيسَ في الجَذرِ صَغارٌ يُلحَقُ بِصاحِبِه؛ فيه انقِيادٌ يُمَكِّنُ الآخِذ.

والتَّركيبُ إضافةٌ لا وَصف: «جَناحُ الذُّلِّ» جَناحٌ يَملِكُه هذا اللِّين. لا يُقالُ «جَناحٌ ذَليل»، بَل جَناحٌ صارَ اللِّينُ صاحِبَه فهو يُصَرِّفُه. فالمَطلوبُ عُضوُ المَيلِ حينَ يَنقادُ لا حينَ يُقاوِم.

«مِنَ الرَّحْمَةِ»: مِن تُسَمّي المَصدَر

لم يُقَلْ «بِالرَّحمة» فيَكونَ الوَصفُ آلة. قيلَ «مِنَ الرَّحْمَةِ»: من الرَّحمةِ يَخرُجُ الخَفض. ومِن هُنا لِابتِداءِ الغاية، تُسَمّي المَنبَعَ لا الوَسيلة.

وهذا يَقلِبُ التَّرتيبَ الذي يَظُنُّه العامِل: يُخَيَّلُ إلَيه أنَّ الخَفضَ يورِثُ الرَّحمة، والآيةُ تَقولُ إنَّ الرَّحمةَ هي التي تُنزِلُ الجَناح. جَناحٌ خُفِضَ من غَيرِها جَناحٌ ثَقيلٌ يُحمَلُ ثُمَّ يوضَع.

«وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا»: يَنتَقِلُ الأمرُ من الجَسَدِ إلى اللِّسان

أوَّلُ الآيةِ ما تَفعَلُه بِبَدَنِك، وآخِرُها ما تَقولُه بِلِسانِك. والقَولُ المَأمورُ بِه لَيسَ مُوَجَّهاً إلَيهِما. هُما غائِبانِ فيه: «ارْحَمْهُمَا». يُخفَضُ لَهُما ويُسألُ فيهِما.

و«رَبِّ» نِداءٌ بِأحَدِ الأسماء. لم يُقَلْ «اللّهُمَّ» ولا اسمٌ سِواه. والآيةُ تُعَلِّلُ اختِيارَها في كَلِمَتِها التّالِية.

«كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»: الكافُ تَشُدُّ الرَّحمةَ إلى التَّربِية

«رَبَّيَانِي» من ر-ب-ب، الجَذرِ الذي جاءَ منه النِّداءُ قَبلَه بِكَلِمَتَين. فالسّائِلُ يُنادي بِالاسمِ الذي فَعَلَ الوالِدانِ مِثلَ ما يَدُلُّ عَلَيه. صَنَعا في الصَّغيرِ ما يُسَمّيه الجَذر، فيُطلَبُ الآنَ مِمَّن هذا الجَذرُ اسمُه أن يَفعَلَ لَهُما.

و«كَمَا» تُشَبِّهُ في الهَيئةِ لا في السَّبَب. لم يُقَلْ «لِأنَّهُما رَبَّياني» فيَصيرَ الطَّلَبُ مُقابَلةً واستيفاءَ دَين. قيلَ «كَما»: على الصّورةِ التي رَبَّياني عَلَيها. تُطلَبُ رَحمةٌ بِمِثالٍ مَعروضٍ لا بِحُجّةٍ مُقَدَّمة.

و«صَغِيرًا» حالٌ لِلمُتَكَلِّمِ لا لَهُما. لم يَقُلْ «كَما رَبَّياني كَبيرَين» ولا وَصَفَ حالَهُما اليَوم. يُقاسُ المَسؤولُ بِحالِ السّائِلِ يَومَ كانَ لا يَملِكُ شَيئاً. مَن سَألَ بِالرَّبِّ لِمَن رَبَّاه فقد رَدَّ الفِعلَ إلى اسمِ فاعِلِه الأوَّل.


حَصيلة

الأمرُ خَفضٌ لا صِغَر، فهو يَفتَرِضُ ارتِفاعاً قائِماً ويُطالِبُ بِإنزالِه، وتُسَمّى الجِهةُ («لَهُمَا») قَبلَ أن تُسَمّى الآلة. والآلةُ عُضوُ المَيلِ نَفسُه: جَناحٌ يَستُرُ ما تَحتَه ويَميلُ بِصاحِبِه، مُضافاً إلى لِينٍ يَنقادُ بِه المَأخوذُ لِآخِذِه، لا إلى صَغارٍ يَلحَقُ بِصاحِبِه. ثُمَّ تُسَمّي «مِن» المَنبَعَ فتُبَيِّنُ أنَّ الرَّحمةَ هي التي تُنزِلُ الجَناح، لا الجَناحُ هو الذي يورِثُ الرَّحمة. ثُمَّ يَنتَقِلُ الأمرُ من البَدَنِ إلى اللِّسان، ومن مُخاطَبَتِهِما إلى السُّؤالِ فيهِما، ويُختارُ لِلنِّداءِ الاسمُ الذي هو جَذرُ فِعلِهِما: رَبَّيا، فيُنادى الرَّبّ. وتُشَبِّهُ الكافُ في الهَيئةِ لا في السَّبَب، فلا يَصيرُ الطَّلَبُ استيفاءَ دَين، ويُقاسُ المَسؤولُ بِحالِ السّائِلِ صَغيراً لا بِحالِهِما كَبيرَين. الجَناحُ يُخفَضُ بِاليَد، والدَّينُ الذي لا يُوَفّيه بَدَنٌ يُحالُ على مَن يُسَمّى بِاسمِ الفِعل.