البقرة · الآية 130

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ

(ر غ ب) + «عَن»: الرَّغبةُ سَريانٌ داخليٌّ يَبتَعِد

جذر (ر غ ب) نُواتُه الثُّنائيّةُ (ر غ) = استِرسالٌ في الباطِن، فالرَّغبةُ حَرَكةٌ داخليّةٌ تَسري قَبلَ أن تَظهَر. ويَرْغَبُ عَن﴾ لا «يَرغَبُ في»: الصيغةُ قَلَّبَت المَعنى إلى إبعادٍ لا إلى انجِذاب. فمَن يَرغَبُ عن مِلّةِ إبراهيمَ لم يَكتَفِ بالبُعدِ الظاهريّ، هو يُوَلِّدُ في داخِلِه تَيّاراً يَبتَعِدُ بِبِنيةِ نَفسِه عن طَريقٍ عاشَه إبراهيمُ بالعَقلِ والتَجرِبَة. الرَّغبةُ هنا فِعٌ داخليٌّ قَبلَ أن يَكونَ مَوقِفاً.

(م ل ل): المِلّةُ طَريقٌ يُمارَس لا هُويّةٌ تُورَث

جذر (م ل ل) = طَريقٌ يَحفُرُه السَّيرُ المُتَكَرِّر، فالمِلّةُ ليست نَصّاً عَقَديّاً يُروى، هي مَسارٌ يُعاشُ حَتّى يَنحَفِر. ومِلّةُ إبراهيمَ مَسارٌ مَحفورٌ بِنَفسِه: تَفنيدُ الآلِهةِ الحَيَويّة، الرُّجوعُ إلى رَبِّ السماواتِ والأرض، ثمّ الإسلامُ، ثمّ بِناءُ البيتِ، ثمّ إقامةُ المَناسِك. ولهذا كانَ الإعراضُ عنها إعراضاً عن طَريقٍ مُجَرَّدٍ لا عن مَذهَبٍ مَكتوب. من يَرغَبُ عنها لا يَرفُضُ عَقيدةً، يَرفُضُ تَجرِبَةَ العَقلِ الإنسانيِّ حينَ يَصِلُ إلى مَصدَرِه.

(س ف ه): «سَفِهَ نَفْسَه» استِخفافٌ بالنَّفسِ لا نُقصانٌ في العَقل

السَّفَهُ في جذرِه (س ف ه) = خِفّةٌ تَتَفَرَّقُ وتَنتَهي إلى فَراغ. وإِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ لم يَقُل اللهُ فيه «نَقَصَ عَقلُه»، بَل جَعَلَ النَفسَ مَفعولَ الفِعل: هو الذي استَخَفَّ بِنَفسِه، لأنّ النَفسَ هي مَقَرُّ الأمانَةِ وهي التي تُدرِكُ الحَقَّ إذا صَفَت. فالرَّغبةُ عن مَسارِ إبراهيمَ حُكمٌ يُصدِرُه المَرءُ ضِدَّ نَفسِه قَبلَ أن يَكونَ رَأياً في المِلّة. السَّفيهُ هنا هو مَن يَطمُرُ نَفسَه التي لو رآها لاتَّجَهَت.

(ص ف و): الاصطفاءُ فَرزٌ يَستَوعِب اللهُ بَدَأَ إبراهيمَ قَبلَ أن يَبدَأَ إبراهيمُ مَسيرَه

جذر (ص ف و) = فَرزٌ قَوِيٌّ (صف) يَستَوعِبُ المُختارَ (و). والاصطفاءُ ليس مُكافأةً بَعدَ الجُهد، هو بَدءُ الرِحلَة: اللهُ اصطَفى إبراهيمَ في الدنيا ففَتَحَ له المَسار، ثمّ ابتَلاه بِكَلماتٍ فَأَتَمَّهُنّ، ثمّ جَعَلَه إماماً. فالآيةُ تَقلِبُ التَصَوُّرَ الذي يَرى إبراهيمَ يَشُقُّ طَريقَه وَحدَه: اللهُ هو المُبتَدِئ، وإبراهيمُ هو المُستَجيب. هذه المَقلوبيّةُ تَرفَعُ مِلّةَ إبراهيمَ من مُجَرَّدِ اجتِهادٍ شَخصيٍّ إلى سُنّةٍ إلهيّةٍ: من اتَّجَهَ يَجِدُ اصطِفاءً سابِقاً.

فِي الدُّنْيَا... فِي الآخِرَة + (ص ل ح): امتِدادُ الاصطفاءِ ومَعنى الصالِح

وَقَفَت الآيةُ بِإبراهيمَ في مَوقِفَينِ مُتَكامِلَين: فِي الدُّنْيَا﴾ اصطِفاءٌ ابتِدائيّ، وفِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ خَتمُ المَسار. وجذر (ص ل ح) = الوُقوفُ في المَوضِعِ الصَحيحِ المُناسِبِ لِلوَظيفَة، فالصالِحُ ليس مُجَرَّدَ «الخَيِّر»، هو من وُضِعَ in مَكانِه الصحيح. فإبراهيمُ الذي اصطَفاه اللهُ في الدنيا يَنتَقِلُ إلى الآخرةِ ليَكونَ في مَوقِعِه الذي يُناسِبُ وَظيفَتَه. الاصطفاءُ والصَلاحُ بِنيةٌ واحِدة تَمتَدُّ من هُنا إلى هُناك.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: مِلّةُ إبراهيمَ في الآيةِ مَسارٌ مُجَرَّدٌ بالعَقلِ والتَجرِبَة، اصطَفى اللهُ صاحِبَها ابتِداءً وخَتَمَ له بالصَلاحِ انتِهاءً، ومن يَرغَبُ عنها يَطمُرُ نَفسَه التي لو رآها لاتَّجَهَت.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ بِسُؤالٍ بَلاغيٍّ يَنقَلِبُ على صاحِبِه: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وفي جذرِ (ر-غ-ب) مع «عَن» سَريانٌ باطنيٌّ يَبتَعِد، لا رَأيٌ يُعلَن. ثمّ يُجيبُ الجذرُ نَفسُه: لا يَفعَلُ ذلِك إلاّ من (س-ف-ه) نَفسَه، أي مَن أجرى فيها خِفَّةً تَتَفَرَّقُ حتّى تَفضي إلى فَراغ. وقد حَدَّدَت الآيةُ ما مِلّةُ إبراهيمَ بِجذرِ (م-ل-ل): طَريقٌ يَنحَفِرُ بِالسَّيرِ المُتَكَرِّر، لا عَقيدةٌ تُحفَظ. وهي مَسارٌ بَدَأَه اللهُ لا إبراهيم، لأنّ الاصطِفاءَ بِجذرِ (ص-ف-و) جاءَ أوَّلاً: فَرزٌ قَوِيٌّ يَستَوعِبُ المُختار، والمُستَجيبُ يَجِدُ يَداً سابِقَةً. ويَختِمُ المَسارُ بِجذرِ (ص-ل-ح): الوُقوفُ في المَوقِعِ المُناسِبِ للوَظيفَة. فإبراهيمُ الذي اصطُفي في الدنيا يَنتَهي في الآخرةِ إلى المَوضِعِ الذي يُناسِبُ دَورَه. والجامِعُ بينَ الأربَعةِ أنّ المِلّةَ ليست انتِماءً بَل مَسيراً: من يَتَحَوَّلُ عنه لا يُخطِئُ اتِّجاهاً بَل يَطمُرُ نَفسَه.