البقرة · الآية 129

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

«ابْعَث»: جذر (ب ع ث) الإنهاضُ من العُمقِ لا الإرسالُ من فَوق

أصلُ جذرِ (ب ع ث) إنهاضُ الشيءِ من مَحلِّهِ وتَوجيهُه، والنُّواةُ الثُّنائيّةُ (ب ع) تَحمِلُ معنى الخروجِ من العُمق، والثاءُ تُكَثِّفُ الحَرَكةَ فتَجعَلُها إنهاضاً تامّاً. ودعاءُ إبراهيمَ وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ طلبُ استِخراجٍ من داخلِ الأمّة، وهو طلبُ إرسالٍ كذلك، فالرسولُ يَنبُعُ من العُمقِ قَبلَ أن يَصعَدَ إلى المَهَمّة. والبعثُ بِنيةٌ حيويّةٌ تَسبِقُ التَكليف، والطلبُ هنا أن يُنَصَّ النبتُ من نفسِ التربةِ لا أن يُجلَبَ من خارجِها.

«مِنْهُم»: الرسولُ من داخلِ اللسانِ والحالِ لا وافِدٌ من فَوق

وقَيْدُ «مِنهُم» في الدُّعاءِ قَيدٌ بِنيويٌّ لا اختيارٌ عاطفيّ، فالرسالةُ لا تَصِلُ إلّا بِلسانِ القومِ وحالِهم، ومن يَحمِلُ الأمانةَ يَجِبُ أن يكونَ قد عاشَ في نفسِ الضَعفِ ونفسِ الشَرطِ البَشَريّ. فرَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ يَرسُمُ قاعدةً دائمةً، وهي أنّ المُعَلِّمَ الناجِحَ يَنبُتُ في تُربةِ قومِه، ويَتَكَلَّمُ بِلُغَتِهم، ويَتَعَرَّفُ على ضَعفِهم من داخلِه لا من فَوقِه. وهذا القَيدُ يَمتَدُّ امتداداً بِنيويّاً من «مِن ذُرِّيَّتِنَا» في الآيةِ السابِقَة: الجَماعةُ تُخرِجُ من رَحِمِها مَن يُعَلِّمُها.

(ت ل و) + (ع ل م) + (ح ك م): الثلاثيّةُ التربويّةُ المُتَرَتِّبَة

وفي الدُّعاءِ ثَلاثُ وَظائفَ مُتَرتِّبَة: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ بِجذرِ (ت ل و) تَتَابُعُ الآياتِ في الحياةِ تَرتيباً خَلفَ بَعضِها، ثمّ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ بِجذرِ (ع ل م) إرساءُ النصِّ في الذِّهن، ثمّ وَالْحِكْمَةَ﴾ بِجذرِ (ح ك م) وَضعُ الشيءِ في مَوضِعِه. فالمَرحَلةُ تَكتَمِلُ حَيثُ يَتَرَتَّبُ السلوكُ على الفَهم، ولَيسَتِ التِّلاوةُ وحدَها تَمامَ الرسالة، ولا التَعليمُ المَعرِفيُّ وحدَه، والحكمةُ هي الإتقانُ العَمَليُّ الذي يَضَعُ كُلَّ شيءٍ في مَوضِعِه الصحيح، لا المَعرِفةُ المُجَرَّدَة.

(ز ك و): التَزكيةُ نَماءٌ يُنَقّي لا عَقوبةٌ تُجَرِّد

وجذرُ (ز ك و) يَجمَعُ مَعنَيَينِ في أصلٍ واحد: النَّقاءَ والنَّماء، فالتَزكيةُ عَمَليّةٌ تُنَمّي النَفسَ وهي تُنَقّيها في آنٍ واحد، ولا تَنقُصُها ولا تَحذِفُ منها. ووَيُزَكِّيهِمْ﴾ يَأتي ختامَ الوَظائفِ الثَلاث لأنّ النَصَّ والحكمةَ يَكتَمِلانِ بِتَحَوُّلِ حامِلِهما إلى إنسانٍ يَنمو، والرسالةُ تُريدُ أمّةً تَزداد، ولا تُريدُ أتباعاً ساكِنين.

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: الاسمانِ مُناسِبانِ لِبِنيةِ البَعث

وخُتِمَ الدُّعاءُ بـإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لأنّ البَعثَ يَحتاجُ قُدرةً نافِذةً (عَزَّ) تَستَطيعُ إنهاضَ الرَّسولِ من داخلِ أمّتِه، ويَحتاجُ حِكمةً (حَكَم) تَضَعُه في المَوضعِ المُناسِبِ والزَّمَنِ المُناسِب. فالاسمانِ انعِكاسٌ لِبِنيةِ المَطلوب، وليسا قَفلةً لَفظيّة: القُدرةُ عَلى الاستِخراج، والحكمةُ في الوَضع، ولا يَفضُلُ أحَدُهما الآخَر، وتَرتيبُهما مَقصود.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الرسولُ في دُعاءِ إبراهيمَ وَظيفةٌ مَوصوفةٌ قَبلَ أن يكونَ شَخصاً مُعيَّناً، يَبعَثُه اللهُ من داخلِ قَومِه ليَتلوَ ويُعَلِّمَ ويُزَكّي، لا ليَنزِلَ من فَوقِهم حامِلاً رُتبةً تَفصِلُه عنهم.


حَصيلة

في دُعاءِ إبراهيمَ وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ تَجتَمِعُ بِنيتانِ من جِذرَينِ مُختَلِفَين: جِذرُ (ب-ع-ث) يَشترِطُ الإنهاضَ من العُمقِ لا الإتيانَ من فَوق، وقَيدُ «مِنهُم» يُحَدِّدُ أنَّ الرَّسولَ يَنبُعُ من تُربةِ قَومِه ولا يُجلَبُ من خارِجِها. ثمّ تَتَرَتَّبُ ثَلاثُ وَظائفَ في تَصاعُدٍ دقيق: «يَتلو» من (ت-ل-و) يَتابَعُ الآياتِ تَتالياً، و«يُعَلِّمُ» من (ع-ل-م) يَثبُتُ المَعنى في الباطِن، و«الحكمةُ» من (ح-ك-م) تَضَعُ كُلَّ شيءٍ في مَوضِعِه. وتَختِمُ التَزكيةُ بِجذرِ (ز-ك-و) الذي يَجمَعُ النَّقاءَ والنَّماءَ معاً، فالرسالةُ تَهدِفُ إلى إنماءِ النَّفس، لا إلى تَقليصِها. وخُتِمَ الدُّعاءُ بـالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لأنّ البَعثَ من العُمقِ يَحتاجُ قُدرةً نافِذةً، والوَضعَ في مَوضِعِه يَحتاجُ حِكمةً دقيقة. وفي هذا التَّرتيبِ يَتَجَلَّى المَعنى الجامِع: الرِّسالةُ الناجِحةُ تُستَخرَجُ من داخلِ الجَماعة، تَبدأُ بِالتَّلاوةِ وتَنتَهي بِنُموِّ حاملِها.