البقرة · الآية 247

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

الجذر (ب ع ث): «بَعَثَ لَكُم» جَوابٌ عَلى «ابعَث لَنا»

وفِعلُ «بَعَث» هُنا مَقصودٌ في مُقابَلةِ طَلَبِهم في الآيةِ السّابِقة: طَلَبوا «ابعَث» فَقيلَ لَهم «بَعَثَ»، والجَذرُ ذاتُه والبِناءُ ذاتُه، غَيرَ أنَّ الفاعِلَ تَحَوَّلَ، وهُم طَلَبوا بَعثًا إلى النَّبيِّ، واللهُ هو الذي بَعَث. والبِناءُ اللُّغَوِيُّ يُقَرِّرُ أنَّ القِيادةَ بَعثٌ إلهِيٌّ يَستَجيبُ لِلطَّلَبِ عَلى نَحوٍ يُراقِبُ الجَماعةَ ولا يَخضَعُ لَها، وليسَت مَوروثًا يُنَصَّبُ بِالطَّلَبِ الجَماعيّ.

اسمُ «طالوت»: اسمٌ ذو وَقعٍ جَذريٍّ مَقصود

واسمُ «طالوت» يَتَّصِلُ اشتِقاقًا بِجَذرِ (ط و ل)، ويَحمِلُ دَلالةَ الطّولِ البَدَنِيِّ الذي سَيَرِدُ تَفسيرُه في الآيةِ ذاتِها («زادَه بَسطةً في الجِسم»)، وهو وَسمٌ صِفَتِيٌّ يَتَرَدَّدُ صَداه في مَتنِ الآية، وليسَ عَلَمًا تاريخِيًّا عَرَضِيًّا. والقُرآنُ يَختارُ الاسمَ الذي يَدُلُّ بِذاتِه عَلى المَعنى الذي يَتَناقَشُ فيه النَّصّ.

الجذر (ح ق ق) و(م و ل): مِعيارا المَلأ المَرفوضان

وقَولُ المَلأ «ونَحنُ أحَقُّ بِالمُلكِ مِنه» يَرفَعُ مِعيارَ النَّسَبِ، وقَولُهم «ولَم يُؤتَ سَعةً مِنَ المال» يَرفَعُ مِعيارَ الثَّروة. والحَقُّ في جَذرِ (ح ق ق) الثّابِتُ المُطابِقُ لِلواقِع، غَيرَ أنَّ المَلأ يَستَعمِلونَه بِمَعنى الاستِحقاقِ الاجتِماعِيِّ المَوروث، لا الاستِحقاقِ الوَظيفِيِّ لِلمَهَمَّة. و(م و ل) في «المال» مُرتَبِطٌ بِالمَيلِ إلى الشَّيءِ، أي ما تَميلُ إليه النَّفسُ، والمَلأ يَخلِطونَ بَينَ ما يَميلُ إليه النّاسُ وما يَصلُحُ لِلقيادة.

الجذر (ص ف و): «اصطَفاه» اختِيارُ النَّقاءِ الوَظيفيّ

وجَذرُ (ص ف و) يَدُلُّ عَلى انتِزاعِ الخالِصِ مِنَ الشَّوائِب، و«اصطَفى» تَضمينٌ افتِعالِيٌّ يُقَوّي المَعنى، أي اختارَ مِن بَينِ كَثيرٍ أنقاهُم لِلمَقام. وعُدِلَ في الجَوابِ الإلهِيِّ عَن مُستَوى اعتِراضِ المَلأ (الأحَقِّيَّة/المال) إلى مُستَوى الاصطِفاء، وهو أمرٌ لا يَدخُلُ فيه القِياسُ الاجتِماعيّ.

الجذر (ب س ط): بَسطةٌ في العِلمِ والجِسمِ مَعًا

و(ب س ط) تَقَدَّمَ في 245 (يَقبِضُ ويَبسُط) في سِياقِ الرِّزق، ويَرِدُ هُنا في سِياقِ الأهلِيّةِ القِيادِيّة، و«بَسطة» سَعةٌ وامتِدادٌ. واختارَتِ الآيةُ أن يَكونَ البَسطُ مُزدَوَجًا: «في العِلمِ والجِسمِ»، والعِلمُ يَضبِطُ القَرارَ، والجِسمُ يَحمِلُ ثِقَلَ التَّنفيذ، ولا قِيادةَ بِعِلمٍ دونَ بَدَنٍ يَحتَمِلُ المُكابَدةَ، ولا بِبَدَنٍ دونَ عِلمٍ يَقرَأُ المَوقِف. وهذانِ المِعيارانِ مَعًا يَكسِرانِ ثُنائيَّةَ المَلأ (النَّسَب/المال).

الجذر (ش ي أ) و(و س ع): خَتمُ الاعتِراضِ بِسُلطانِ الإعطاء

وخاتِمةُ الآيةِ «واللهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاء، واللهُ واسِعٌ عَليم» تَختِمُ الحِوارَ بِمِعيارٍ فَوقَ النِّقاش. و«المُلكَ» مُضافٌ إلى «ه» الإلهِيّة: المُلكُ مُلكُ الله، والعَبدُ يَستَعيرُه ولا يَملِكُه. و«واسِعٌ» مِن (و س ع) يَرُدُّ عَلى قَولِهم «لَم يُؤتَ سَعةً مِنَ المال»، والسَّعةُ الحَقيقِيّةُ سَعةُ الله، ومَن يَضَعُه اللهُ في مَوقِعِ السَّعةِ فَلا يَنقُصُه فَقرُ المال. و«عَليم» يَرُدُّ عَلى وَهمِ أنَّ المَلأ يَعرِفونَ مَعاييرَ الاختيارِ أكثَرَ مِن عالِمِ الغَيب.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فَدَورُ الاصطِفاءِ الإلهيِّ يَسبِقُ مِعيارَ النَّسَبِ والمال، وبَسطةُ العِلمِ والجِسمِ مَعًا تَسبِقُ «أحَقِّيَّةَ» المَوروثِ الاجتِماعيّ.


حَصيلة

جاءَ جَوابُ النَّبيِّ بِالجَذرِ ذاتِه الذي طَلَبَه المَلأ: «ابعَث» في 246 و«بَعَثَ» هُنا مِن (ب-ع-ث)، غَيرَ أنَّ الفاعِلَ تَحَوَّلَ مِن النَّبيِّ إلى اللهِ، والمُلكُ بَعثٌ إلهيٌّ يَستَجيبُ دونَ أن يَخضَع، وليسَ مَوروثاً يُنَصَّبُ بِالطَّلَبِ الجَماعيّ. واسمُ «طالوت» يَتَّصِلُ بِجَذرِ (ط-و-ل)، أي الطُّولِ والامتِدادِ البَدَنيّ، وهو وَسمٌ دَلاليٌّ يَتَرَدَّدُ صَداه في «زادَه بَسطةً في الجِسم». واحتَجَّ المَلأ بِمِعيارَينِ خارِجيَّين: (ح-ق-ق) الأحَقِّيَّةِ النَّسَبيَّةِ المَوروثة، و(م-و-ل) ثَروةِ المالِ التي تَميلُ إليها النُّفوس، ورَدَّ النَّبيُّ بِمِعيارَينِ داخِليَّينِ لِلمَهَمَّة: «اصطَفاهُ» مِن (ص-ف-و)، وهو انتِزاعُ الأنقى مِنَ الشَّوائبِ، واختِيارٌ يَتَجاوَزُ مَستوى اعتِراضِهم، ثُمَّ «بَسطةً في العِلمِ والجِسمِ» مِن (ب-س-ط)، وهي سَعةٌ مُزدَوَجةٌ تَكسِرُ ثُنائيَّةَ النَّسَب والمال. والعِلمُ يَضبِطُ القَرار، والجِسمُ يَحمِلُ ثِقَلَ التَّنفيذ، ولا قِيادةَ حَقيقيَّةً بِواحِدٍ مِنهُما دونَ الآخَر. وتُختَمُ الآيةُ بِقَولِه: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾، و«مُلكَهُ» مَنسوبٌ إلى الله، فَالعَبدُ يَستَعيرُه ولا يَملِكُه، و«واسِعٌ» يَرُدُّ عَلى قَولِهم «لَم يُؤتَ سَعةً مِنَ المال»: السَّعةُ الحَقيقيَّةُ سَعةُ الله.