آل عمران · الآية 146

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ

«وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ»: التَّكثيرُ يَفتَحُ أمثلةً بلا أسماء

تَعطِفُ الواوُ الجملةَ على ذِكرِ الرسلِ والموتِ والإذن، وتأتي «كأيّن» لتَحمِلَ الكثرة. تَتعلّقُ بها «من نبيّ» فتُبيّنُ الجنسَ بلا عددٍ أو اسم. النبيُّ من ن-ب-أ احتواءٌ جوفيٌّ يَتَّصلُ ثمّ يَنبثِقُ إلى خبرٍ ظاهر، فيَحمِلُ مَن يَتلقّى نبأً ويُظهِرُه. التنكيرُ يَفتحُ نمطاً كثيراً من الأمثلةِ تحتَ وصفِ النبوّة.

«قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ»: المَعيّةُ تَجمعُ النبيَّ بجماعةٍ كثيرة

يأتي «قاتل» فعلاً ماضياً من ق-ت-ل: عقدٌ يَدخُلُ قطعاً دقيقاً ثمّ يَتعلّقُ بمَحلِّه، وصيغةُ المفاعلةِ تُظهِرُ مشاركةً في القتال. الضميرُ في «معه» يعودُ إلى النبيِّ المفردِ في كلِّ مثال، ويأتي الفاعلُ «ربيّون» موصوفاً بـ«كثير». يَتَّصلُ لفظُهم بجذر ر-ب-ب الذي يَجمعُ الجريانَ في تماسُكٍ ويُثبِّتُه التكرار. وهكذا يَجمعُ المشهدُ نبيّاً بربيّينَ كثيرٍ قاتلوا معه.

«فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: الإصابةُ لا تُنتِجُ الوَهَن

تَعقِبُ الفاءُ على القتالِ بنتيجةٍ منفيّة: فما وهنوا. الوَهَنُ من و-ه-ن عقدٌ يَدخُلُ فراغاً ثمّ يَحتبِسُ في الداخل، فيَحمِلُ رخاوةً تتسرّبُ إلى القوّة. واللّامُ تَربِطُ النفيَ بما أصابَهم. الإصابةُ من ص-و-ب إطباقٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ يَتَّصلُ بالمَحل، فتَحمِلُ وصولَ أثرٍ إليهم. أمّا «في سبيل الله» فتَضعُ ما أصابَهم داخلَ طريقٍ من س-ب-ل: حَصرٌ دقيقٌ يَتَّصلُ ثمّ يَمتَدّ.

«وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا»: الوَهنُ والاستِكانةُ حَرَكَتانِ مَرفوضَتان

تُكرِّرُ الواوُ و«ما» النفيَ مرّتين، فتَستقلُّ كلُّ حركة. الضَّعفُ من ض-ع-ف ضمٌّ ثقيلٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَفتَحُ شَقّاً، فيَحمِلُ قوّةً انفرجَ تماسُكُها. ثمّ يأتي «استكانوا» فيَحملُ الدخولَ في خضوعٍ وسكون. نفتِ الآيةُ الوَهَنَ المتسرّبَ، والضَّعفَ الظاهرَ، والاستكانة. واجتماعُ النَّفياتِ الثلاثِ بعدَ الإصابةِ يُثبِتُ أنَّ الذي وَصَفَته الآيةُ هو بَقاءُ القومِ على حالِهم الأُولى: قُوّةٌ لم يَتَسَرَّب إليها الوَهَن، وتَماسُكٌ لم يَنفَرِج، وقيامٌ لم يَنزِل إلى سُكون.

«وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ»: الصَّبرُ يَجمَعُ الثَّباتَ ويَفتَحُ المَحبّة

تَستأنفُ الواوُ جملةً اسميّةً فاعلُ المحبّةِ فيها اسمُ الله. المضارعُ «يحبّ» يُجدِّدُ العلاقة، ومفعولُه «الصابرين». الصبرُ من ص-ب-ر إطباقٌ صُلبٌ يَتَّصلُ ويتمسّكُ ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحمِلُ ثباتاً يَمنعُ التفلّتَ ويَمتدُّ مع الزمن. اسمُ الفاعلِ الجمعيُّ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الصبر، فتَجتمعُ فيه النفياتُ الثلاثُ بوصفِها ثباتاً تحتَ الإصابة، وتَصلُ الخاتمةُ أصحابَ هذا الثباتِ بمحبّةِ الله.


حَصيلة

تَفتحُ «كأيّن» أمثلةً كثيرةً لأنبياءَ قاتلَ مع كلٍّ منهم ربيّونَ كثير. وحينَ أصابَهم ما أصابَهم في سبيلِ الله، تَعاقبت ثلاثُ نفيات: لم يَتسرّبْ إليهم الوَهَن، ولم تَنفرجْ قوّتُهم بالضَّعف، ولم يَدخُلوا الاستكانة. وبذلك تَضعُ الخاتمةُ الميزانَ في الصابرينَ أصحابِ الثباتِ المستمرّ، وتَصلُهم بمحبّةِ الله.