آل عمران · الآية 145

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ

«وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»: المَوتُ يَبقى تَحتَ الإذن

وتَعطِفُ الواوُ حكماً يَتَّصلُ بشرطِ الموت. و«ما كان» تَنفي أن تَقومَ لنفسٍ حركةُ الموتِ مستقلّةً، واللّامُ تَربِطُ المصدرَ بها، والنكرةُ في النفيِ تَشملُ كلَّ نفس. والموتُ من م-و-ت امتِدادٌ يَطولُ ثمّ يَنتهي إلى قطعٍ وتمام، ويَحصُرُ «إلا» وقوعَه بإذنِ الله. والإذنُ من أ-ذ-ن: إطلاقٌ يَنفُذُ متّصلاً ثمّ يَحتوي في الجوف، فيَحمِلُ فتحَ مَجرىً مأذونٍ به، ولا تُضافُ وسيلة.

«كِتَابًا مُّؤَجَّلًا»: الأَجَلُ كِتابٌ لا يَنفَلِتُ من وَقتِه

وجاءَ «كتاباً» منصوباً بعدَ الحصر، فحَمَلَ ثَبتاً مكتوباً مرتبطاً بما سبق. والكتابةُ من ك-ت-ب، ومادّتُها كَتمٌ يُمسِكُ الشَّيءَ بِضَغطٍ دَقيقٍ ثمّ يَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه. ووصفُه «مؤجّلاً» من أ-ج-ل، وهو إطلاقٌ يَدخُلُ اجتماعاً ثمّ يَمتَدُّ إلى حدّ، وصيغةُ التفعيلِ تَحمِلُ شحنةً مستدامةً متكرّرةً في تثبيتِ الأجل. والوصفُ يُثبِتُ التأجيل، ولا يَمنحُ النصُّ تاريخاً أو حساباً لِما كُتب.

«وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا»: إرادةُ الدُّنيا تَجِدُ بَعضَ ثَوابِها

ثمّ تَستأنفُ الواوُ شرطاً عامّاً بأداةِ «من». والإرادةُ من ر-و-د جريانٌ مسترسلٌ يَمتَدُّ ثمّ يَندفِعُ نافذاً نَحوَ غايَتِه، فتَحمِلُ قصداً يَطلبُ وِجهة، ومفعولُه «ثواب الدنيا». والثوابُ من ث-و-ب، وأصلُه ما يَخرُجُ عن مَوضِعِه ويَمضي ثمّ يَتَّصِلُ بِه ثانِيةً فيَتَمَسَّكُ بِه، فيَحمِلُ عَودَ مقابلٍ إلى صاحبِه، والدنيا هي الجهةُ المضافة. وجوابُ الشرطِ «نؤته» يَجعَلُ المتكلّمَ المعظِّمَ فاعلَ الإيتاءِ، والضميرَ مفعولَه، و«منها» تبعيضيّةٌ يعودُ ضميرُها إلى الدنيا، فلا تَعدُ بإحاطتِها كلِّها.

«وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا»: التَّكرارُ يَحفظُ الميزانَ ويُبدّلُ الوِجهة

وتُكرِّرُ الواوُ بنيةَ الشرطِ نفسَها، وتُبقي فعلَ الإرادةِ والثوابِ وجوابَ الإيتاءِ على ترتيبِها، غيرَ أنّ المضافَ إليه يَصيرُ «الآخرة». والآخرةُ من أ-خ-ر، ومدارُها على إطلاقٍ يَختَرِقُ ثمّ يَجري مسترسلاً، فتَحمِلُ الجهةَ التي تأتي آخراً. ويَعودُ ضميرُ «منها» إلى هذه الجهة، ويَبقى حرفُ «من» تبعيضيّاً كما كانَ في الشرطِ الأوّل. والتماثلُ النحويُّ يَمنعُ خلطَ المقصودين، ولا تَصفُ الآيةُ ثوابَ أيٍّ منهما أو مقدارَه.

«وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ»: الخاتمةُ تَعودُ إلى وعدِ الشكر

وتَعطِفُ الواوُ الفعلَ المستقبلَ «سنجزي»، فتُضيفُ نونَ المتكلّمِ المعظِّمِ إلى السينِ الدالّةِ على الاستقبال. والجزاءُ من ج-ز-ي، وهو اجتماعٌ يَتضاغطُ في مَجرىً ثمّ يَمتَدُّ إلى صاحبِ الفعل. والمفعولُ «الشاكرين» من ش-ك-ر، ومادّتُه حَصرٌ وضمٌّ يَحفَظُ الأثرَ ثمّ يُجري إظهارَه، واسمُ الفاعلِ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الشكر. وتَكرارُ الوعدِ من الآيةِ السابقةِ يَصِلُ عدمَ الانقلابِ بتوجيهِ الإرادة، من غير أن يُساويَ الشاكرينَ بكلِّ طالبٍ للثوابِ المذكور.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ أن تَموتَ نفسٌ إلا بإذنِ الله، وتَصفُ الأمرَ كتاباً مؤجّلاً من غير تاريخٍ أو تفصيل، ثمّ تَبني شرطينِ متوازيين: مَن يُرِدْ ثوابَ الدنيا يُؤتَ منها، ومَن يُرِدْ ثوابَ الآخرةِ يُؤتَ منها. وفي كلٍّ منهما تَحفظُ «من» التبعيضَ ويَحفظُ الضميرُ مرجعَه، فتَتميَّزُ الوِجهتانِ ولا يُوعَدُ طالبٌ بالكلّ. وتَختِمُ السينُ بوعدِ جزاءِ الشاكرين، فتَجمعُ الإذنَ والكتابَ والإرادةَ والعطاءَ تحتَ فاعلٍ لا تَستقلُّ عنه النفسُ أو الثواب.