آل عمران · الآية 174

﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

«فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ»: النتيجةُ رجوعٌ مصحوبٌ بعطاء

تَعقُبُ الفاءُ قولَهم السابقَ بنتيجةٍ ماضية: انقلبوا. والقلبُ من ق-ل-ب، وأصلُه عقدٌ يَتعلّقُ بوجهٍ ثمّ يَتَّصلُ بآخر، وصيغةُ الانفعالِ تَحملُ دخولَ الجماعةِ في تحوّلٍ ورجوع. والباءُ تَجعلُ نعمةً من الله وفضلاً مصاحبَيْنِ لهم، و«من الله» تَحفظُ مصدرَ النعمة. وبهذا يَتركّزُ الرجوعُ في حاصلِه: جماعةٌ عادت، وصَحِبَها من الله عطاءٌ يَسَعُه تنكيرُ النعمةِ والفضل.

«لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ»: السُّوءُ لم يَبلُغْهم

و«لم» تَنفي مضارعاً مجزوماً، وضميرُ الجماعةِ مفعولُه، و«سوء» فاعلٌ نكرة. والمسُّ من م-س-س، ومعناه ضمٌّ يَدخُلُ مَجرىً دقيقاً ثمّ يُكثِّفُ تكرارُ السينِ الاتصالَ، فيَحمِلُ وصولاً مباشراً إلى السطحِ أو المَحل. ونفيُه يَجعلُ السلامةَ تامّةً من أوّلِ تماسّ: بقيَ السوءُ خارجَ مَحلِّهم، وأصبحتِ السلامةُ نفسُها جزءاً من النعمةِ المصاحبةِ لرجوعهم.

«وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ»: الفعلُ يَكشفُ وِجهةَ الرجوع

والواوُ تَعطِفُ فعلاً ماضياً مسنداً إلى الجماعةِ نفسِها: اتّبعوا. والاتّباعُ من ت-ب-ع، وهو إمساكٌ ضعيفٌ يُفلِتُ ما تَجمَّع ثمّ يَقبِضُ على ما أفلَتَ ويَلتَحِمُ بِه، فيَحمِلُ إفلاتاً يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق. والمفعولُ «رضوان الله» يَجعلُ الرضوانَ وِجهةَ الفعل، والإضافةُ تَحفظُه لله. والحركةُ اتّباعٌ بوصَلَتُه رضوانُ الله، زيادةً على كونِها رجوعاً جسديّاً.

«وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ»: الخاتمةُ تَردُّ الفضلَ إلى مالكِه

ثمّ تَستأنفُ الواوُ جملةً اسميّةً مبتدؤها اسمُ الله، و«ذو» خبرٌ يَحملُ معنى الملكِ والاختصاص. ومدارُ ف-ض-ل على شَقٍّ يَضمُّ بثقلٍ ثمّ يَمتَدُّ زيادةً إلى صاحبِها، وقد جاء الفضلُ نكرةً موصوفةً بـ«عظيم»، فيَحملُ الوصفُ كثافةَ الزيادةِ فوقَ كلِّ حساب. وإعادةُ اسمِ الله ظاهراً تَجمعُ مصدرَ النعمةِ ومالكَ الفضل، فيَظهرُ الرجوعُ السالمُ ثمرةَ عطاءٍ منه، لا اكتفاءَ الجماعةِ بقوّتِها.


حَصيلة

تُظهِرُ الفاءُ نتيجةَ زيادةِ الإيمانِ والاعتماد: رجعوا بنعمةٍ من الله وفضل، ومصدرُ الأولى ومالكُ الثاني واضحان، وبينهما يَنفي النصُّ أن يَمسَّهم سوء، ثمّ يَذكرُ فعلَهم: اتّبعوا رضوانَ الله. وتكرارُ الفضلِ يَحفظُ صلتَه بالبدايةِ والخاتمة: صحبَ رجوعَهم أوّلاً، ثمّ ظهرَ وصفاً لِما يَملكه اللهُ في الجملةِ الأخيرة. ويَجتمعُ الرجوعُ الآمنُ والوِجهةُ المتَّبعةُ في حقيقةٍ واحدة: سلامةٌ يَغمرُها فضلُ الله، وحركةٌ تَهتدي برضوانه.