النساء · الآية 125

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا»: سُؤالٌ يُجابُ بِوَصفِ صاحِبِه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِسُؤالٍ يُرادُ بِه النَّفي: «ومَن أحسَنُ ديناً»، والمَعنى أنَّ أحَداً لا يَفضُلُ في الدِّينِ مَن تَصِفُه بَعدُ. وهي الهَيئةُ التي خُتِمَت بِها الآيةُ الثّانِيةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئة: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، «مَن» يُستَفهَمُ بِها، ثُمَّ اسمُ تَفضيل، ثُمَّ ما يَقَعُ فيه التَّفضيل. و«ديناً» ما يَقَعُ فيه التَّفضيلُ هُنا، والدِّينُ من د-ي-ن، ما يَلزَمُ المَرءَ ويُحبَسُ عَلَيه حتّى يُؤَدّيَه، ومنه «دانَ لَه» انقادَ، و«الدِّين» الجَزاء، فالدِّينُ ما يَنقادُ لَه المَرءُ ويَلتَزِمُه ويُقابَلُ عَلَيه.

وجاءَ الجَوابُ وَصفاً، لا اسماً: «مِمَّن أسلَمَ وَجهَه لِله». فبَعدَ أن نَفَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئةِ أمانيَّ فَريقَينِ عُيِّنَ أحَدُهُما بِالخِطابِ والآخَرُ بِاسمِه، يُقاسُ أحسَنُ الدِّينِ هُنا بِأفعالٍ ثَلاثة: وَجهٌ يُسلَمُ لِله، وإحسانٌ يَصحَبُه، واتِّباعٌ لِمِلّةِ إبراهيمَ حَنيفاً. فالتَّفضيلُ في الآيةِ مَعقودٌ بِما يَفعَلُه صاحِبُ الدِّين.

«مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ»: وَجهٌ يُدفَعُ كامِلاً، وفِعلٌ يُتقَن

و«أسلَمَ» من س-ل-م، والجِذرُ انتِقالُ الشَّيءِ مُنساباً بِلا عائقٍ حتّى يَصيرَ في حَوزِ غَيرِه كامِلاً، فـ«أسلَمَ الشَّيءَ» دَفَعَه إلى غَيرِه سالِماً لم يَستَبقِ مِنه شَيئاً. ومَفعولُه «وَجهَه»، والوَجهُ من و-ج-ه، الجانِبُ البارِزُ الذي يَستَقبِلُ بِه المَرءُ ما أمامَه ويَتَّجِهُ بِه، فإسلامُ الوَجهِ دَفعُ الجِهةِ التي يُقبِلُ بِها المَرءُ كُلِّها إلى الله، واللّامُ في «لِله» تَجعَلُها لَه خالِصة. وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الخامِسةِ والسِّتّين: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والتَّسليمُ هُناكَ دَفعُ الأمرِ كُلِّه إلى ما قُضِيَ فيه.

و«وهو مُحسِن» هَيئةٌ يَكونُ عَلَيها مَن أسلَمَ وَجهَه حينَ يُسلِمُه، على بِناءِ «وهو مُؤمِن» في الآيةِ قَبلَها. والمُحسِنُ من ح-س-ن، مَن يُخرِجُ فِعلَه خالِصاً مُحكَماً فيَقَعُ في النَّفسِ وَقعاً لَطيفاً، والإحسانُ أن يُؤتى بِالفِعلِ على أجمَلِ وَجهِه. وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ مَرَّتَين: «أحسَنُ ديناً» و«وهو مُحسِن»، فالتَّفضيلُ الذي سَأَلَ عَنه صَدرُ الآيةِ يَتَحَقَّقُ في فاعِلٍ يُحسِن.

وهذه الكَلِماتُ نَفسُها جاءَت في البَقَرةِ بَعدَ ذِكرِ الأمانيّ: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، ثُمَّ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. وجاءَت في هذه السّورةِ بَعدَ «لَيسَ بِأمانيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكِتاب» في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة، فالكِتابُ يُقابِلُ الأمانيَّ في المَوضِعَينِ بِإسلامِ الوَجهِ لِلهِ مَعَ الإحسان.

«وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا»: طَريقٌ يُملى فيُتَّبَع، ومَيلٌ إلَيه عمّا سِواه

ثُمَّ «واتَّبَعَ مِلّةَ إبراهيم». والاتِّباعُ من ت-ب-ع، سَيرٌ على أثَرِ ما يَتَقَدَّمُ ولَحاقٌ بِه، وبِناءُ الافتِعالِ فيه يَدُلُّ على قَصدٍ إلى هذا اللَّحاق. والمِلّةُ من م-ل-ل، وفي الكِتابِ من الجِذرِ نَفسِه وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، والإملالُ الإملاء، ومن الجِذرِ أيضاً «طَريقٌ مُمَلٌّ» سُلِكَ حتّى صارَ مَعلوماً، فالمِلّةُ على الوَجهَينِ طَريقٌ يُملى أو يُسلَكُ فيَتلوه مَن بَعدَه، ولِذلك تَأتي في الكِتابِ في أكثَرِ مَواضِعِها مُضافةً إلى مَن تُنسَبُ إلَيه، كما في وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾. وإبراهيمُ مُسَمًّى في الآيةِ بِاسمِه، والمِلّةُ مُضافةٌ إلَيه، فالمُتَّبِعُ يَمشي على أثَرِ طَريقٍ يُنسَبُ إلى إبراهيم.

و«حَنيفاً» من ح-ن-ف، والجِذرُ يَدورُ على المَيل، ويُقالُ لِمَن أقبَلَت إحدى إبهامَي رِجلَيه على الأُخرى «أحنَف»، فالحَنيفُ مائلٌ إلى جِهةٍ مُفارِقٌ لِما سِواها. وتَحتَمِلُ «حَنيفاً» في مَوضِعِها وَجهَين: أن تَكونَ وَصفاً لِإبراهيمَ صاحِبِ المِلّة، وأن تَكونَ وَصفاً لِلمُتَّبِعِ في اتِّباعِه، فالمَيلُ على الأوَّلِ صِفةُ مَن تُنسَبُ إلَيه المِلّة، وعلى الثّاني صِفةُ مَن يَتبَعُها. وقد جاءَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ في الكِتابِ في خَمسةِ مَواضِع، يَليه في الأربَعةِ الأُخرى وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ويَليه هُنا «واتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً».

«وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»: قُربٌ يَنفُذُ إلى الباطِن

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِخَبَرٍ مُستَأنَف: «واتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً»، وقد أُعيدَ فيه اسمُ إبراهيمَ ظاهِراً في مَوضِعٍ يَكفي فيه ضَميرُه، فقامَ الخَبَرُ بِنَفسِه. والاتِّخاذُ من أ-خ-ذ على الافتِعال، أخذُ الشَّيءِ لِلنَّفسِ واختِصاصُها بِه، وقد جاءَ الفِعلُ في الآيَتَينِ الثّامِنةَ عَشْرةَ والتّاسِعةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة: على لِسانِ الشَّيطانِ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، وفيمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾، وفاعِلُه هُنا الله، والمُتَّخَذُ إبراهيم.

والخَليلُ من خ-ل-ل، والجِذرُ نُفوذٌ يَجري في أثناءِ الشَّيءِ حتّى يَستَقِرَّ في داخِلِه، ومنه «الخَلَل» الفُرجةُ بَينَ الشَّيئَين، و«الخِلال» ما بَينَ الأشياء، وفي الكِتابِ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، فالخَليلُ مَن نَفَذَت صِلَتُه في أثناءِ صاحِبِه حتّى بَلَغَت باطِنَه. ولم يَأتِ «خَليلاً» في الكِتابِ إلّا في ثَلاثةِ مَواضِع، كُلُّها مَعَ «اتَّخَذ»: هُنا، وفي وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، وفي يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، والفاعِلُ هُنا وَحدَه هو الله. فالسِّياقُ الذي نَفى في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ أن يَجِدَ عامِلُ السّوءِ وَليّاً من دونِ اللهِ يَذكُرُ هُنا مَن اتَّخَذَه اللهُ خَليلاً.


حَصيلة

تَسأَلُ الآيةُ عن أحسَنِ النّاسِ ديناً، والدِّينُ من د-ي-ن ما يَلتَزِمُه المَرءُ ويَنقادُ لَه ويُقابَلُ عَلَيه، وتُجيبُ بِوَصفٍ تَقومُ عَلَيه أفعال: مَن أسلَمَ وَجهَه لِله، من س-ل-م، فدَفَعَ الجِهةَ التي يُقبِلُ بِها كُلَّها إلَيه، وهو مُحسِنٌ من ح-س-ن يُخرِجُ فِعلَه على أجمَلِ وَجهِه، فيَتَحَقَّقُ «أحسَنُ» في «مُحسِن». وهي الكَلِماتُ التي قابَلَ بِها الكِتابُ الأمانيَّ في البَقَرة، وتَأتي هُنا بَعدَ نَفيِ الأمانيِّ في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة. ثُمَّ يَتبَعُ صاحِبُ هذا الوَجهِ مِلّةَ إبراهيم، من م-ل-ل، طَريقاً يُملى فيُمشى على أثَرِه، حَنيفاً، من ح-ن-ف، مائلاً إلَيه عمّا سِواه، والمَيلُ يَحتَمِلُ أن يَكونَ صِفةَ إبراهيمَ أو صِفةَ مُتَّبِعِه. وتُختَمُ بِأنَّ اللهَ اتَّخَذَ إبراهيمَ خَليلاً، من خ-ل-ل، قَريباً نَفَذَت صِلَتُه إلى الباطِن، والاتِّخاذُ الذي جاءَ في السّورةِ لِلشَّيطانِ ولِمَن يَتَّخِذُه وَليّاً يَصيرُ هُنا فِعلاً فاعِلُه الله.