النساء · الآية 127

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا

«وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ»: سُؤالٌ يُرفَعُ إلى المُخاطَب، وإبانةٌ تُسنَدُ إلى الله

تَعودُ السّورةُ إلى النِّساءِ بِفِعلٍ مُضارِعٍ لِجَماعة: «ويَستَفتونَك»، والمُضارِعُ يَحكي سُؤالاً قائماً يَتَجَدَّد. والفِعلُ من ف-ت-ي على «استَفعَل»، والاستِفتاءُ طَلَبُ الفُتيا، والفُتيا جَوابٌ يُبينُ حُكمَ مَسألةٍ كانَت مُنغَلِقةً على صاحِبِها، فالسّائلونَ يَطلُبونَ أن يُفتَحَ لَهُم ما انغَلَقَ عَلَيهِم «في النِّساء». ثُمَّ جاءَ الجَوابُ أمراً بِالقَول: «قُل»، وأُسنِدَ الإفتاءُ فيه إلى الله: «اللهُ يُفتيكُم فيهِنّ»، فالمُخاطَبُ يُبَلِّغُ ما يُقال، والذي يُبينُ الحُكمَ هو الله.

و«يَستَفتونَك» في الكِتابِ مَرَّتان، كِلتاهُما في هذه السّورة: هُنا، وفي آيَتِها الأخيرة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، والبِناءُ فيهِما واحِد: سُؤالٌ يُرفَعُ إلى المُخاطَب، ثُمَّ «قُل»، ثُمَّ «اللهُ يُفتيكُم». فالسّورةُ تَحمِلُ سُؤالَينِ من هذا الجِنس، أحَدُهُما في النِّساء، والآخَرُ في الكَلالةِ آخِرَ ما فيها، وتُجيبُ عَنهُما جَميعاً بِإبانةٍ تَنسِبُها إلى الله.

وجاءَ بَعدَ اسمِ اللهِ «وما يُتلى عَلَيكُم في الكِتاب»، وفي مَوقِعِه وُجوهٌ، أشهَرُها اثنان: أن يَكونَ مَرفوعاً مَعطوفاً على اسمِ الله، فيَكونَ ما يُتلى في الكِتابِ مُبيناً لِلحُكمِ مَعَه، وأن يَكونَ مَجروراً مَعطوفاً على الضَّميرِ في «فيهِنّ»، فيَكونَ الإفتاءُ فيهِنَّ وفي ما يُتلى عَلَيهِم. فعلى الأوَّلِ يَصيرُ المَتلُوُّ نَفسُه من الجَواب، وعلى الثّاني يَصيرُ مِمّا يُسأَلُ عَنه، وفي الوَجهَينِ يَدخُلُ ما في الكِتابِ طَرَفاً في هذه الفُتيا. و«يُتلى» من ت-ل-و، والتِّلاوةُ إتباعُ الكَلامِ بَعضِه بَعضاً، والفِعلُ مُضارِعٌ مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالمَتلُوُّ كَلامٌ حاضِرٌ يُقرَأُ عَلَيهِم ويَتَتابَع.

«فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ»: يُتمٌ وأُنوثةٌ في صِنفٍ واحِد، وحَقٌّ مَكتوبٌ يُحبَسُ عن أهلِه

و«يَتامى النِّساء» إضافةٌ تُبَيِّنُ أنَّ هؤلاءِ اليَتامى من النِّساء، واليَتيمُ من ي-ت-م مَن فَقَدَ السَّنَدَ فبَقِيَ مُنفَرِداً. فهُنَّ صِنفٌ يَجتَمِعُ فيه أمرانِ افتُتِحَت بِهِما السّورة: اليَتامى الذينَ أُمِرَ في صَدرِها بِإيتائِهِم أموالَهُم: وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾، والنِّساءُ اللَّواتي أُمِرَ بَعدَ ذلك بِإيتائِهِنَّ صَدُقاتِهِنّ: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. ثُمَّ وُصِفنَ بِما يُقابِلُ الأمرَينِ جَميعاً: «اللّاتي لا تُؤتونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ»، فالفِعلُ الذي أُمِرَ بِه المُخاطَبونَ مَرَّتَينِ في صَدرِ السّورةِ يَعودُ هُنا مَنفيّاً، والمُضارِعُ يَصِفُ بِه حالاً قائمةً بَينَهُم وبَينَهُنّ.

و«ما كُتِبَ لَهُنّ» من ك-ت-ب، والكَتبُ إثباتُ الشَّيءِ في مَحَلِّه حتّى يَبقى، والفِعلُ مَبنيٌّ لِلمَجهول، واللّامُ في «لَهُنّ» لامُ الاستِحقاق، فالمَكتوبُ حَقٌّ ثابِتٌ في جانِبِهِنّ. ويَبقى ما كُتِبَ لَهُنَّ في لَفظِ الآيةِ عامّاً، وقد أثبَتَتِ السّورةُ لِلنِّساءِ من قَبلُ صَدُقاتِهِنّ، ونَصيباً مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبونَ سَمَّتهُ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، فالعِبارةُ تَتَّسِعُ لِكُلِّ ما أُثبِتَ لَهُنَّ من ذلك. والجِذرُ نَفسُه يَجمَعُ في الآيةِ كِتاباً يُتلى وحَقّاً يُكتَب.

«وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ»: مَيلٌ تَبقى وِجهَتُه مَفتوحةً بَينَ إقبالٍ وانصِراف

وعُطِفَ على «لا تُؤتونَهُنّ» وَصفٌ ثانٍ: «وتَرغَبونَ أن تَنكِحوهُنّ». والرَّغبةُ من ر-غ-ب مَيلٌ يَجري من غَورِ النَّفسِ إلى وِجهَتِه، والفِعلُ في الكِتابِ يَأخُذُ وِجهَتَه من الحَرفِ الذي يَصحَبُه: فمَعَ «إلى» إقبالٌ وطَلَب، كما في إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ووَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، ومَعَ «عن» انصِرافٌ وتَرك، كما في وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي﴾. ولِكُلٍّ من الحَرفَينِ مَعَ هذا الجِذرِ ثَلاثةُ مَواضِعَ في الكِتاب، وهذه الآيةُ وَحدَها يَقَعُ فيها الفِعلُ قَبلَ «أن» خالِياً من الحَرفَين.

وحَذفُ الحَرفِ قَبلَ «أن» جارٍ في كَلامِ العَرَب، ويَبقى المَحذوفُ مُحتَمِلاً لِما يَصلُحُ في مَوضِعِه، فالعِبارةُ تَتَّسِعُ هُنا لِلوَجهَين: رَغبةٍ في نِكاحِهِنّ، ورَغبةٍ عَنه. والآيةُ تُبقي الوِجهةَ مَفتوحةً في لَفظِها، وتُثبِتُ ما يَصدُقُ على الوَجهَينِ مَعاً: أنَّ ما كُتِبَ لِهؤلاءِ النِّساءِ مَحبوسٌ عَنهُنّ، وأنَّ نِكاحَهُنَّ مَوضِعٌ يَدورُ عَلَيه مَيلُ المُخاطَبين. ويَلتَقي في هذه الآيةِ ما في الآيةِ الثّالِثةِ من السّورة: هُناكَ «في اليَتامى» ثُمَّ «فانكِحوا»، وهُنا «في يَتامى النِّساء» ثُمَّ «أن تَنكِحوهُنّ»، وهُناكَ خَوفٌ من ألّا يُقسِطوا، وهُنا «أن تَقوموا لِليَتامى بِالقِسط».

«وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ»: جَوابٌ عن النِّساءِ يَتَّسِعُ إلى الصِّغارِ واليَتامى

ثُمَّ عُطِفَ على «يَتامى النِّساء» صِنفٌ ثانٍ: «والمُستَضعَفينَ من الوِلدان»، فهُم داخِلونَ في ما يُتلى فيه. والمُستَضعَفُ اسمُ مَفعولٍ من «استَضعَفَ»، من ض-ع-ف، وهو مَن عَدَّه غَيرُه ضَعيفاً فعامَلَه بِضَعفِه. وقد جاءَت هذه العِبارةُ في السّورةِ مَرَّتَينِ قَبلَ ذلك بِأصنافٍ ثَلاثة: الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، في الآيةِ الخامِسةِ والسَّبعينَ والآيةِ الثّامِنةِ والتِّسعين، وجاءَت هُنا بِالصِّنفِ الأخيرِ وَحدَه: «من الوِلدان». والوِلدانُ جَمعُ وَليد، وهو الصَّغيرُ الذي لم يَبعُدْ عَهدُه بِالوِلادة، فالسُّؤالُ الذي رُفِعَ «في النِّساء» يُجابُ بِذِكرِ الصِّغارِ مَعَهُنّ.

وجاءَ الصِّنفُ الثّالِثُ فِعلاً: «وأن تَقوموا لِليَتامى بِالقِسط»، و«أن» مَعَ الفِعلِ في مَعنى المَصدَر، وفيه وَجهان: أن يَكونَ مَعطوفاً على ما قَبلَه، فيَكونَ قِيامُهُم لِليَتامى مِمّا يُتلى فيه، وأن يَكونَ على أمرٍ مُقَدَّر: ويَأمُرُكُم أن تَقوموا. والقِيامُ من ق-و-م، وهو هُنا بِاللّام: قِيامٌ لِليَتامى، قِيامُ مَن يَنهَضُ بِأمرِ غَيرِه ويَتَوَلّاه. والقِسطُ من ق-س-ط حِصّةٌ تُقطَعُ لِصاحِبِها على قَدرِ حَقِّه، فالقِسطُ الذي خيفَ فَواتُه في اليَتامى في الآيةِ الثّالِثةِ يَعودُ هُنا مَطلوباً لَهُم: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾.

«وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا»: خَيرٌ يُفعَلُ في هذا الباب، وعِلمٌ يُحيطُ بِه

وخُتِمَتِ الآيةُ بِشَرطٍ عامّ: «وما تَفعَلوا من خَير»، و«ما» تَعُمُّ كُلَّ فِعل، و«من خَير» تُبَيِّنُ جِنسَه، والخَيرُ من خ-ي-ر ما يَنفُذُ نَفعُه فيَسري في ما يَبلُغُه. وجاءَ الجَوابُ عِلماً: «فإنَّ اللهَ كانَ بِه عَليماً»، والهاءُ في «بِه» تَعودُ على ذلك الخَير، و«كانَ» تُثبِتُ العِلمَ صِفةً قائمة. فالآيةُ التي افتُتِحَت بِسُؤالٍ يُرفَعُ إلى المُخاطَبِ تُختَمُ بِعِلمٍ يُحيطُ بِما يَفعَلُه المُخاطَبونَ لِلنِّساءِ واليَتامى والصِّغار، وكُلُّ خَيرٍ يُفعَلُ في هذا البابِ واقِعٌ فيه. وقَبلَ هذه الآيةِ خُتِمَت آيةٌ بِـوَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾، فجاءَ السُّؤالُ في النِّساءِ بَعدَ الإحاطةِ بِكُلِّ شَيء، وجاءَ خِتامُه عِلماً بِالخَيرِ خاصّة.


حَصيلة

تَعودُ الآيةُ إلى النِّساءِ بِسُؤالٍ من ف-ت-ي يَطلُبُ إبانةَ ما انغَلَق، ويُجابُ بِأنَّ اللهَ يُبينُه، ويُبينُه مَعَه ما يُتلى في الكِتابِ على أحَدِ الوَجهَين، وهذا البِناءُ في الكِتابِ مَرَّتان، هُنا وفي آخِرِ السّورة. ثُمَّ تُسَمّي يَتامى النِّساء، صِنفاً يَجتَمِعُ فيه اليُتمُ والأُنوثة، وتَصِفُهُنَّ بِحَقٍّ من ك-ت-ب مَكتوبٍ لَهُنَّ مَحبوسٍ عَنهُنّ، وبِرَغبةٍ من ر-غ-ب حُذِفَ حَرفُها فبَقِيَت وِجهَتُها مَفتوحةً بَينَ الإقبالِ على نِكاحِهِنَّ والانصِرافِ عَنه. ثُمَّ يَتَّسِعُ الجَوابُ إلى المُستَضعَفينَ من الوِلدان، وإلى القِيامِ لِليَتامى بِالقِسط، فيَعودُ إلى ما خافَت فَواتَه الآيةُ الثّالِثة، ويُختَمُ بِأنَّ كُلَّ خَيرٍ يُفعَلُ في هذا البابِ مَعلومٌ لله.