الهمزة · الآية 6

﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ

«نارُ اللهِ»: الإِضافَةُ التي تَنقُلُ النّارَ من مَخلوقٍ عامٍّ إِلى صَنعَةٍ خاصَّة

الإضافةُ في العَرَبِيّةِ تَأتي على وُجوه: إضافةُ مُلكٍ، وإضافةُ خَلقٍ، وإضافةُ نِسبة، وإضافةُ تَشريف، فحينَ يُقالُ «بَيتُ زَيدٍ» فالإضافةُ مُلك، وحينَ يُقالُ «خَلقُ اللهِ» فالإضافةُ خَلق، وحينَ يُقالُ «بَيتُ اللهِ» فالإضافةُ تَشريف. والإضافةُ في «نارُ اللهِ» مُلكٌ مُرَكَّبٌ مِن تَشريف، فهي نارٌ يَملِكُها هو، ويَستَخدِمُها لِغَرَضٍ في حُكمِه.

وفي القُرآنِ نارٌ كَثيرة: نارٌ ذُكِرَت في مَوضِعٍ آخَرَ بَرداً وسَلاماً، ونارٌ على جَبَلٍ ذُكِرَت في مَوضِعٍ آخَرَ في تَجَلٍّ، ونارُ النَّفسِ التي تَأكُلُ صاحِبَها قَبلَ أن يَسقُط. وكُلُّها مَخلوقة، غَيرَ أنَّ نارَ الحُطَمةِ مَنسوبةٌ إلى الذّاتِ بِصورةٍ خاصّة، فهي مِن صُنعِ حُكمِه، لا مِن صُنعِ الطَّبيعةِ التي خَلَقَها فيَجري فيها ما يَجري. وهذا هو الفَرقُ بَينَ ما يَنشَأُ في النِّظامِ وما يَنشَأُ بِالأمرِ المُباشِر.

ولُطفٌ آخَرُ في العُدولِ عن «نارُ الجَحيمِ» و«نارُ السَّعير»، وهي أسماءٌ تَدُلُّ على المَكانِ أو على الصِّفة، إلى «نارُ الله»، فنُسِبَتِ النّارُ إلَيه نِسبةً مُباشِرة. وكَأنَّ الذي صَدَرَ عن الهُمَزةِ اللُّمَزةِ مِن غَمزٍ ولَمزٍ في حَقِّ النّاسِ وَقَعَ في حَقيقةِ الأمرِ على ذاتِ الذي خَلَقَ النّاس، فتَأتيه النّارُ مِن مَوضِعِها الأصلِيّ: مِنه هو.

«المُوقَدَة»: نارٌ لا تَتَّقِدُ عَفواً، بل أُوقِدَت قَصداً

وأصلُ و-ق-د في كَلامِ العَرَبِ إشعالُ النّارِ ثُمَّ تَغذِيَتِها بِحَطَبٍ يُديمُ لَهَبَها. والفَرقُ بَينَ «أُحرِقَ» و«أُوقِدَ» دَقيق، فالإحراقُ نَتيجة، والإيقادُ صَنعة، والذي يوقِدُ النّارَ يُلازِمُها ويُغَذّيها ويُديمُها. وهذا الفَرقُ هو ما يَحمِلُه اسمُ المَفعولِ في «المُوقَدَة»، فهي نارٌ أوقَدَها مَن جَعَلَها لِغَرَضٍ ثُمَّ يُديمُ إيقادَها.

ووَزنُ مُفعَلة (اسمُ مَفعولٍ مِن أفعَلَ) يَتَضَمَّنُ شَيئاً مِنَ الجاهِزِيّة، فالنّارُ في حالِ إيقادٍ مُستَدام، وهي غَيرُ مُبتَدِئةٍ ولا خامِدة. وحينَ يَصِلُ إلَيها المَنبوذُ يَجِدُها مُهَيَّأةً قد سَبَقَ إيقادُها، فهي تَنتَظِرُه ولا تَأخُذُ وَقتاً تَستَعِدُّ فيه. ووَقودُها، كما تَقولُ البَقَرةُ في تَتِمّةٍ مُهِمّة، النّاسُ والحِجارة، وأمّا هذه السّورةُ فتَختارُ صورةً أُخرى، فتَتَوَقَّفُ عِندَ المُوقِدِ الذي أجرى الفِعلَ دونَ الوَقود.

وفي هذا التَّكامُلِ بَينَ السُّوَرِ دَلالة: سورةٌ تُسَمّي الوَقود، وأُخرى تُسَمّي المُوقِد، وثالِثةٌ تُسَمّي المَوضِعَ الذي يَدخُلُ مِنه اللَّهَب. والسّورةُ تَأتي بِزاوِيةٍ مِنَ النّارِ دونَ كامِلِها، ومَن قَرَأَ القُرآنَ كُلَّه عَرَفَ الزَّوايا الثَّلاث، ومَن قَرَأَ سورةً واحِدةً عَرَفَ زاوِيَتَها فَقَط، فيَنبَغي أن يُكَمِّلَ بِقِراءَتِه ما لم يَأتِ في يَدِه.

من النّار إِلى ما هو أَخصّ: التَّمهيدُ لاطّلاعِها عَلى الأَفئِدَة

تَقولُ الآيةُ ما هي، وسَتَقولُ الآيةُ التّالِيةُ ماذا تَفعَل، فالجَوابُ هُنا تَعريف، والجَوابُ في الآيةِ التّالِيةِ صِفة. ومَن قَرَأَ السّورةَ في إيقاعِها يَلحَظُ هذا التَّمهيدَ المُتَدَرِّج: اسمٌ يُلقى (الحُطَمَة)، ثُمَّ سُؤالٌ يَفتَح (وَما أَدراكَ ما الحُطَمَة)، ثُمَّ تَعريفٌ بِالنِّسبة (نارُ اللهِ المُوقَدَة)، ثُمَّ صِفةٌ بِالفِعل (التي تَطَّلِعُ عَلى الأَفئِدَة).

وفي هذا التَّدَرُّجِ لُطفٌ مَعَ السّامِع، فلم يُلقَ عَلَيه كُلُّ شَيءٍ دَفعةً واحِدة، وجاءَه الكَلامُ وَحدةً بَعدَ وَحدة، كُلُّ وَحدةٍ تُهَيِّئُ القَلبَ لِلَّتي تَليها. والسّورةُ بِناءٌ يُرفَع، لا كَلامٌ يُقال، تَدخُلُ أحجارُه في مَواضِعِها ولا يَتَخَلَّلُها فَراغ.

والأهَمُّ أنَّ الإضافةَ إلى اللهِ تُمَهِّدُ لِما سَيَأتي، فالنّارُ التي تَطَّلِعُ على الأفئِدةِ لا يَستَطيعُ أن يوقِدَها أحَدٌ غَيرُ الذي يَعلَمُ ما في الأفئِدة، والذي خَلَقَ القَلبَ هو الذي يوقِدُ نارَه. ولِذلك جاءَ الاسمُ هُنا، لا قَبلَ هذا ولا بَعدَه، والاسمُ يَكشِفُ عن مُلازَمةٍ بَينَ خالِقِ القَلبِ ومُوقِدِ نارِه، واللُّحمةُ بَينَ الجِنايةِ والعِقابِ لُحمةٌ مَعرِفِيّة، لا مَكانِيّة.


حَصيلة

جاءَ الجَوابُ قَصيراً بِلا مُقَدِّمة: «نارُ اللهِ المُوقَدَة»، وثَلاثُ كَلِماتٍ تَكفي. والإضافةُ في «نارُ اللهِ» إضافةُ مِلكٍ خاصّ، وليسَت إضافةَ الخَلقِ العامِّ الذي تَدخُلُ فيه كُلُّ نارٍ في الكَون، فكُلُّها مَخلوقةٌ لَه، وهذه نارٌ يَملِكُها هو، ويَستَخدِمُها لِغَرَضٍ بِعَينِه. وما وَقَعَ مِنَ الهُمَزةِ اللُّمَزةِ مِن نَخسٍ في حَقِّ النّاسِ وَقَعَ في الحَقيقةِ في حَقِّ مَن خَلَقَ النّاس، فتَأتيه النّارُ مِن مَوضِعِها الأصلِيّ.

و«المُوقَدَة» اسمُ مَفعول، وعُدِلَ فيها عنِ اسمِ الفاعِلِ «الواقِدَة»، أي التي تَتَّقِدُ بِنَفسِها، فـ«المُوقَدَة» أوقَدَها مُوقِد. وجِذرُ (و-ق-د) يَدورُ على إشعالِ نارٍ تَنطَلِقُ وتَتَوَسَّعُ بَعدَ أن بَدَأَت بِشَرارة، و«المُوقَدَة» تُثبِتُ أنَّها نارٌ أُوقِدَت بِقَصدٍ لِهذا المَوضِع، غَيرُ نارٍ طَبيعِيّةٍ تَنشَأُ مِنَ التَّفاعُل. والبَقَرةُ تَكشِفُ مِن زاوِيةٍ أُخرى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، فهُناكَ الوَقود، وهُنا المُوقِد، والجِذرُ واحِدٌ والزّاوِيَتانِ مُتَكامِلَتان.

وبَعدَ ثَلاثِ كَلِماتٍ تَبدَأُ الآيةُ السّابِعةُ في وَصفِ خاصِّيّةِ هذه النّارِ التي لا يُشبِهُها فيها غَيرُها: النُّفوذُ في الأفئِدة.