الناس · الآية 4

﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ

«مِن شَرّ»: ما يَستعيذُ منه القارئُ

«شَرّ» في الجذرِ العربيِّ ضَرَرٌ يَنتَشرُ كَنارٍ من قَبَس، يَجري ويَلتَهِمُ ما حَولَه ولا يَقفُ في حَدّ. ولذلك يَستعيذُ القارئُ من «شَرّ» الوَسواس، ولا تَقِفُ استعاذتُه عند ذاتِه: لأنّ الوَسواسَ في ذاتِه قد لا يُؤذي مَن يَعرفُه ويَسُدُّ عليه البابَ، أمّا شَرُّه (ما يَنتَشِرُ منه) فَيُؤذي حتى مَن لا يَنتَبِه.

والاستعاذةُ من الشَّرِّ دونَ المَوصوفِ بالشَّرّ أَدَبٌ في اللسانِ يَستحِقُّ التَّأمُّل، وقد سَبَقَت الفَلَقُ إلى هذا الأدبِ في فاتحَتِها: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فالمُستعاذُ منه الشَّرُّ الذي قد يَنبَعِثُ ممّا خُلِق، وليس كلُّ ما خُلِقَ يُستعاذُ منه. ولذلك جاءَت الناسُ على نَفسِ الصِّيغة: «من شَرّ الوَسواس». وليس كلُّ ما يَخطِرُ في الصَّدر وَسوَسة، والذي يُستعاذُ منه ما يَتَحَوَّلُ منها إلى ضَرَر.

«الوَسواس»: الاسمُ الذي يَحكي حركَةَ صَوته

و«الوَسواس» في العربيّةِ كلمةٌ تَحكي ما تَقول: فيها صَفيرُ السينِ المُكَرَّر (س...س...س)، وفيها رَخاوةُ الواوِ التي تَنزلِقُ ولا تَنطبق، وفيها تَكرارُ المَقطعَين كأنّه صوتٌ يَدورُ ويَدور. ومَن نَطَقَ الكلمةَ بصوتٍ خافتٍ سَمِعَ ما يَفعلُ الوَسواسُ في الصَّدر: صَفيراً مُتَتابِعاً يَحكي شيئاً مَهموساً لا يَنفَكّ، والكلمةُ ذاتُها مُحاكاةٌ لِما تَصِفُه.

وتَركيبُ الكلمةِ على وَزن «فَعلال» (الذي يَتَكَرَّرُ فيه الجذرُ) يَنزلُ على ما يُكَرِّرُ نفسَه بلا انقِطاع: «زلزال»، «بَسبَاس»، «جَرجَار». فالوَسواسُ في الجَوهَر ما يَتَكَرَّر، ولا يَأتي مَرّةً ثمّ يَنصَرف. والقارئُ الذي يَعرفُ هذا لا يَستَغرِبُ تَكرارَ الخاطر، فالتَّكرارُ من شَأنِ الكلمة، لا دَليلَ على ضَعفِ القارئ.

«الخَنّاس»: الاسمُ الذي يَحكي ضَعفَ صاحبِه

وفي «الخَنّاس» الضَّربةُ البَلاغيّةُ الكُبرى: كلمةُ «الوَسواس» تَحكي فِعلَه، وكلمةُ «الخَنّاس» تَحكي تَراجُعَه، وكِلتاهُما على وَزنٍ يَدُلُّ على ثُبوتِ الصِّفة (فَعلال وفَعّال)، فهو مُكَرِّرٌ للوَسوَسة، ومُكَرِّرٌ للخُنوس، كلَّما تَقَدَّم تَأَخَّر، وكلَّما حاوَلَ انحَسَر، والاسمُ ذاتُه يَفضَحُه قبل أن يَكشِفَه القارئ.

و«خَنَسَ» في اللسانِ تأَخَّرَ وانكَمَش، ومنه «الخُنَّس» في القرآنِ وَصفاً للكَواكِب: الْخُنَّسِ﴾، وهي الكَواكبُ التي تَجري ثمّ تَنكَفِئ في مَدارِها. والوَسواسُ من هذا الجِنس، حَركةٌ تَتَقَدَّمُ ثُمّ تَنكَفِئ، والاسمُ نَفسُه يَدُلّ على أنّه لا يَثبُت، يَتَقَدَّمُ ثُمّ يَنحَسِرُ ولا يَستَقِرُّ على مَوضِع، والذِّكرُ هو الذي يُعيدُه إلى مَدارِه الخَلفيّ.

وفي هذا تَعليمٌ ثَمين، فالوَسواسُ لا يُهزَمُ بالاحتِجاج، ولا بالدُّخولِ معه في جَدَل، ولا بأن يُقفِلَ المَرءُ وَجهَه عليه ويَسأَلَ نفسَه «من أين جاءَ هذا؟». والمَطلوبُ شَيءٌ آخَرُ تَماماً، ذِكرٌ يَسري في الصَّدرِ كما تَسري الوَسوَسةُ، فيَنحَسِرُ صاحبُها بطَبيعَتِه، والصَّفيرُ يُكسَرُ بصَوتٍ من جِنسٍ آخَر، ولا يُكسَرُ بصَفيرٍ مِثلِه.

المُعادَلةُ المُختَزَلة: التَّقَدُّمُ يَتلوه التَّأَخُّر

الوَسواسُ يَخنُس، فلا يَكونُ في الصَّدرِ شَيءٌ مَزروعٌ زَرعاً ثابتاً يَخرُجُ فيه القارئُ من ساحَةِ المَعركة، والذي يَأتي يَذهَب. والقارئُ الذي يَفقَهُ هذا الجَوهَرَ يَتَوَقَّفُ عن الصِّراعِ مع الخاطرِ ويَبدأُ في تَكرارِ ما يُخنِسُه، وساعةٌ واحدةٌ من الذِّكرِ المُتواصِلِ تَفعلُ ما لا تَفعلُه ساعاتٌ من الجَدَلِ مع النَّفس.

وتَكشِفُ البَقَرَةُ المَيدانَ نَفسَه من زاويةٍ أخرى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، والذِّكرُ فيها مَوعودٌ بمُقابِلٍ من اللهِ نَفسِه، فإذا اجتَمَعَ ذِكرُ العَبدِ مع ذِكرِ اللهِ له انحَسَرَ ما بَينَهما من وَسوَسة. والناسُ تَكشِفُ آليّةَ العَدُوّ، والبَقَرَةُ تُسَمّي السِّلاحَ المَعلوم، وخاتِمَةُ المُصحَفِ تَطلبُ السَّتر، وافتتاحُه يُسَمّي ما تَستَتِرُ به.


حَصيلة

بَعدَ أن انعَقَدَ السَّترُ بثَلاثةِ أَسماء تُسَمّى الجِهةُ التي يُستعاذُ منها بأَدَقِّ صورةٍ يَعرِفُها اللسان، وهي «الوَسواس»، وقد عُدِلَ فيها عن «الشَّيطان» و«إبليس» و«الفِتنة». وهو اسمٌ يُسَمَّى بفِعلِه دونَ هَيئَتِه، والسورةُ تَتعلَّقُ بآليّةٍ لا بِذات. والكلمةُ نَفسُها مُحاكاةٌ صَوتيّةٌ لِما تَصِفُه: صَفيرُ السينِ المُكَرَّر، ورَخاوةُ الواوِ التي تَنزَلِق، ووَزنُ «فَعلال» الذي يَنزِلُ على ما يَتَكَرَّرُ ويَهتَزّ كَ«الزَّلزال»، فالخاطِرُ المُتَكَرِّرُ من شَأنِ الكلمة، لا دَليلَ على ضَعفِ القارئ. ثُمّ تَأتي الضَّربةُ البَلاغيّةُ الكُبرى في كلمةٍ واحدة: «الخَنّاس». والجذرُ خ-ن-س يَدُلّ على التَّأَخُّرِ والانكِفاء، كالكَواكبِ الخُنَّسِ التي تَجري في مَدارِها ثُمّ تَنكَفِئ، ووَزنُ «فَعّال» يَدلّ على ثُبوتِ الفِعل، فمَن جَعَلَ الوَسوَسةَ صِناعَتَه جَعَلَ التَّأَخُّرَ صِناعَتَه أيضاً، والاسمُ ذاتُه يَفضَحُه قَبلَ أن يَكشِفَه القارئ. والاستعاذةُ تَأتي من «شَرّ» الوَسواس، ولا تَبدأُ بذاتِه، لأنّ «الشَّرّ» في جَوهَرِه ضَرَرٌ يَنتَشرُ كنارٍ من قَبَس، وقد يَخطُرُ في الصَّدرِ ما لا ضَرَرَ فيه، والمَخوفُ ما يَتَحَوَّلُ منه إلى انتِشار. وفي هذا تَعليمٌ ثَمين، فالوَسواسُ لا يُهزَمُ بالاحتِجاج، ولا يُكسَرُ الصَّفيرُ بصَفيرٍ مِثلِه، وساعةٌ من ذِكرٍ يَسري في الصَّدرِ كما تَسري الوَسوَسةُ تَفعلُ ما لا تَفعلُه ساعاتٌ من الجَدَلِ مع النَّفس. وقد قالَت البَقَرةُ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وحين يَجتَمِعُ ذِكرُ العَبدِ مع ذِكرِ اللهِ له يَنحَسِرُ ما بَينَهُما. والناسُ تَكشِفُ آليّةَ العَدُوّ، والبَقَرَةُ تُسَمّي السِّلاحَ المَعلوم.