الناس · الآية 5

﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ

«الذي»: تَوكيدُ التَّعريفِ بعد التَّسمية

«الذي يُوَسوسُ في صُدورِ الناس» اسمٌ مَوصولٌ يَأتي بعد تَسميَتَين («الوَسواس الخَنّاس») ليَزيدَ التَّعريفَ بياناً. كأنّه قال: لا تَظُنَّ أنّ الذي اسمُه «الوَسواس» شَيءٌ غَير «الذي يُوسوسُ في الصُّدور». ولا تَظُنّ أنّ الوَسواسَ يَفعلُ فِعلاً آخَرَ سِوى أن يُلقي صَوتَه في هذا المَوضعِ بالذات. السورةُ تُغلِقُ كلَّ كَوّةٍ يَدخلُ منها الالتباسُ على القارئ.

وفي تَكرارِ الجذرِ من الآيةِ السابقة (الوَسواسيُوسوس) دلالةٌ على ثَباتِ الفِعل: مَن سُمِّيَ بصِفةِ التَّكرارِ يَفعلُ ما اسمُه عليه. لا تَنتَظِر منه أن يَفعلَ شيئاً آخَر. عَدَدٌ من الوَسوَساتِ تَأتي القارئَ كأنّها مَعقولاتٌ، فلا يَتَنَبَّهُ إلى أنّها وَسوَسةٌ من جِنسٍ واحد. السورةُ تُؤَكِّدُ: «الذي يُوَسوس»، ليس «الذي يُلقي حُجّةً»، ولا «الذي يُذَكِّر»، ولا «الذي يُحَلِّل». اسمُ الفِعلِ هو الفِعل.

«في صُدورِ الناس»: لِمَ الصَّدرُ، لا القَلبُ ولا العَقلُ ولا النَّفس؟

القرآنُ يَستَعمِلُ ألفاظاً دَقيقةً للأَعضاءِ الباطنة، ولا يَخلِطُ بينها. «القَلب» في القرآنِ مَوضعُ الإيمانِ والعَقدِ والاطمئنان (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾). و«النَّفس» مَوضعُ الإرادةِ والاختيارِ والمَيل. و«اللُّبّ» مَوضعُ الجَوهَرِ المُسْتَخلَص. أمّا «الصَّدر» فهو الفَضاءُ الأَوسَعُ الذي تَنشأُ فيه الانفعالاتُ قَبلَ أن تَتَشَكَّل: ضِيقٌ أو سَعَةٌ، اشتِعالٌ أو سَكينة، شَكٌّ أو يَقين.

والذي يُوسوسُ يَختارُ هذا المَوضعَ بالذات لأنّه طَبَقةٌ تَحتَ العَقل. قَبلَ أن تَكونَ الفِكرةُ مَوقفاً يُحاجَجُ، تَكونُ ضِيقاً يَنشأُ. قَبلَ أن تَكونَ الكَراهيّةُ قَراراً، تَكونُ مَيلاً يَتَجَمَّع. الوَسواسُ يَزرعُ في هذه التُّربةِ التي لم تَتَشَكَّل بعد. ولو دَخلَ في العَقلِ مُباشَرةً لَواجَهَه القارئُ بالحُجّة. لكنَّه يَدخلُ في الصَّدرِ، حيثُ لا حُجّةَ بَعدُ.

والبَقَرَةُ تَكشِفُ المَوضِعَ نَفسَه من زاويةٍ أُخرى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. القَلبُ هنا يَنتُجُ منه ما يَتَجَمَّع في الصَّدر. والمَرضُ يَنتَقِلُ من القَلبِ إلى الصَّدر، ومن الصَّدرِ إلى السُّلوك. الوَسواسُ في خاتِمَةِ المُصحَفِ يَفعلُ في الفَضاءِ الذي وَصَفَتهُ البَقَرَةُ في صَدرِ الكتاب: ما يَنشأُ هناك يَنفُذُ في الكُلّ.

شَرحُ الصَّدر، ضِدُّ الوَسوَسة

الصَّدرُ في القرآنِ يَأتي مَعَ كلمتَين مُتَضادَّتَين: «الشَّرح» و«الضِّيق». «شَرَحَ صَدرَه» = وَسَّعَه وفَتَحَه. و«ضاقَ صَدرُه» = ضَيَّقَه وأَغلَقَه. الوَسوَسةُ تَعمَلُ على التَّضييق: كلَّما زَرَعَت في الصَّدرِ خاطِراً مُضطَرِباً، ضاقَ المَوضعُ، وأَنتجَ ضِيقُه خَواطِرَ أُخرى. حَلَقةٌ تَدورُ على نفسِها.

والقارئُ الذي يَفهَمُ هذا لا يُعالِجُ الخَواطِرَ خاطِراً خاطِراً، بل يُعالِجُ المَوضعَ. يَطلبُ شَرحَ الصَّدرِ بالذِّكرِ، فَتَتَّسِعُ الأَرضُ التي تَتَحَرَّكُ فيها الوَسوَسة، فَلا تَجدُ فيها مَوضِعاً تَتَجَمَّعُ فيه. ولذلك أَوّلُ ما طَلَبَه موسى من ربِّه حين بُعِثَ كانَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: قَبلَ كلِّ مُهِمّةٍ خارجيّة، يُطلَبُ هذا الشَّرحُ الداخليّ. والمَوضعُ الذي تَدخُلُه الوَسوَسةُ هو المَوضعُ الذي يَنبَغي أن يُشرَح.

«الناس» مَرّةً ثالثةً: المَوضعُ مُشتَرَك

تَتَكَرَّرُ كلمةُ «الناس» في السورةِ خَمسَ مرّات، وهذه ثالِثَتُها: «صُدورِ الناس». ولا يَختَصّ المَوضعُ المَوصوفُ هنا بفَريقٍ من الناسِ دون فَريق. الوَسوَسةُ لا تَتَفاضَلُ بين قَلبٍ تَقيٍّ وقَلبٍ غَيرِه ابتداءً؛ كلُّ صَدرٍ بَشَريٍّ هو ساحةٌ مَفتوحةٌ على هذا الجِنسِ من الخاطر. الفَرقُ ليس في وُجودِ الوَسوَسة، بل في كَيفيّةِ تَلَقّيها.

وهذا يَرفَعُ عن القارئِ إثمَ الوَسوَسةِ نَفسِها. ليس وُقوعُها فيكَ ذَنباً؛ هي وَظيفَتُها أن تَدخلَ على «صُدورِ الناس». الذَّنبُ يَبدأُ حين يَتَلَقّاها الإنسانُ ويَفتَحُ لها بابَ النَّفسِ ثمّ بابَ الفِعل. الوَسوَسةُ في الصَّدرِ خاطِرٌ يَخنُسُ بالذِّكر؛ ولا يَصيرُ ذَنباً إلّا إذا انتَقَلَ من الصَّدرِ إلى ما بَعدَه. أوّلُ السَّترِ أن يَعرِفَ القارئُ هذه الحُدود.


حَصيلة

الآيةُ السابقةُ سَمَّت العَدُوَّ، وهذه تُحَدِّدُ مَوقِعَ عَمَلِه بدِقّة: لا في الأَيدي، ولا في الأَلسُنِ، ولا في الأَعيُن، بل في «الصُّدور». والصَّدرُ في الجذر (ص-د-ر) هو ما يَتَصَدَّر، أي يَأتي أوّلاً: المَوضعُ الذي تَنبَعِثُ منه الانفعالاتُ والنَّوايا قَبلَ أن تَستَقِرَّ على شَكل. والقرآنُ يُمَيِّزُ بدِقّةٍ بين أَعضائِه الباطنة: «القَلب» مَحَلُّ العَقدِ والاطمئنان، و«النَّفس» مَوضعُ الإرادةِ والمَيل، و«العَقل» مَوضعُ الحُجّة، أمّا «الصَّدر» فهو الفَضاءُ الأَوسَعُ الذي تَنشأُ فيه هذه كلُّها قَبلَ أن تَتَموقَع. والوَسواسُ يَختارُ هذا الفَضاءَ بالذات لأنّه طَبَقةٌ تَحتَ الحُجّة: حين تَصِلُ الوَسوَسةُ إلى مُستوى الفِكرةِ تَكونُ قد قَطَعَت أَكثرَ الطريق، فيُحاجَجُها العَقل؛ أمّا في الصَّدرِ فلا حُجّةَ بَعدُ، إنّما ضِيقٌ ومَيلٌ وكَراهيّةٌ تَتَجَمَّع. ولذلك لا يُعالَجُ الخاطِرُ خاطِراً خاطِراً بل يُعالَجُ المَوضعُ نَفسُه: «شَرحُ الصَّدر»، الذي طَلَبَه موسى أَوّلَ ما بُعِثَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. والآيةُ تَحمِلُ مَع تَحديدِها للمَوقِعِ رَحمةً خَفيّة: تَقولُ «صُدورِ النَّاس»، أي كلَّ صَدرٍ بَشَريٍّ بلا استِثناء. فَوُرودُ الخاطرِ ليس ذَنباً ولا عَلامةَ ضَعف؛ هو وَظيفَتُه أن يَدخُل، ووَظيفَةُ القارئِ أن يَعرفَ ما يُخنِسُه. الذَّنبُ يَبدأُ حين يَنتَقِلُ الخاطِرُ من الصَّدرِ إلى النَّفسِ ثُمّ إلى الفِعل، لا قَبل ذلك. أَوّلُ السَّترِ أن يَعرِفَ القارئُ هذه الحُدود.