الإسراء · الآية 48
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«انظُرْ كَيْفَ»: أمرٌ يَقَعُ على الهَيئةِ لا على المادّة
أمرٌ واحِدٌ ثُمَّ أداةٌ تُحَدِّدُ مَوقِعَ النَّظَر. ولم يُقَلْ «انظُرْ ما ضَرَبوا»، ولا «انظُرْ إلى ما قالوا». «كَيفَ» سُؤالٌ عن الهَيئة، فالمَأمورُ بِه نَظَرٌ في الصّورةِ التي وَقَعَ عَلَيها الفِعل.
ولِذلك لم تُحكَ في الآيةِ كَلِمةٌ واحِدةٌ مِمّا ضَرَبوا. أُمِرَ بِالنَّظَرِ ولم يُعرَضِ المَنظورُ إليه. والقائِلونَ أنفُسُهُم بِلا اسم، إنَّما يُعرَفونَ بِفِعلِهِم في الآية. والنَّظَرُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.
مَن نَظَرَ في «كَيفَ» استَغنى عن «ماذا».
«ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ»: خَتمٌ يُطبَعُ لا كَلامٌ يَمُرّ
الضَّربُ في هذا الجَذرِ وَقعٌ كَثيفٌ يَلزَمُ مَحَلَّه بَعدَ الوَقع. لَيسَ لَطمةً تَمُرُّ ثُمَّ تُنسى، بَل خَتماً يَنطَبِعُ فيَبقى أثَرُه في المَوضِع. فضاربُ المَثَلِ يَطبَعُ صورةً على مَوصوفٍ لِتَلزَمَه.
واللّامُ في «لَكَ» لامُ الاختِصاص. لم يُضرَبِ المَثَلُ في الهَواءِ ولا عن غائِب؛ اختيرَ لَه مَحَلٌّ واحِدٌ بِعَينِه هو المُخاطَب. والمَثَلُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.
ثُمَّ إنَّها «الأمثال» جَمعاً مُعَرَّفاً، لا مَثَلاً واحِداً. تَكَرَّرَ الطَّبعُ ولم يَثبُت، ولَو ثَبَتَ الأوَّلُ لَما احتيجَ إلى الثاني. وكَثرةُ الأختامِ على مَحَلٍّ واحِدٍ دَليلُ أنَّ شَيئاً منها لم يُمسِكْ.
«فَضَلُّوا»: فاءٌ أُولى، وتَرتيبٌ لا يُعكَس
فاءٌ واحِدةٌ ولا شَيءَ بَينَها وبَينَ ما قَبلَها. لم يُقَلْ «ثُمَّ ضَلّوا» فيَتَراخى، ولا «وقد ضَلّوا» فيَستَقِلّ. الفاءُ تَصِلُ وتُرَتِّب: الضَّلالُ بَعدَ الضَّربِ وتابِعٌ لَه.
والتَّرتيبُ لا يُقلَبُ في القِراءة. لم تَقُلِ الآيةُ إنَّهُم ضَلّوا فضَرَبوا الأمثال، فيَكونَ المَثَلُ عَرَضاً يَظهَرُ من ضَلالٍ سابِقٍ عَلَيه. قالَت إنَّهُم ضَرَبوا فضَلّوا. والضَّلالُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تُقَرِّرُه الآيةُ هُنا مَوقِعُه في السِّلسِلةِ لا حَقيقَتُه.
والخَتمُ إذا لم يُمسِكْ في مَحَلِّه رَجَعَ إلى اليَدِ التي حَمَلَته.
«فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا»: فاءٌ ثانِيةٌ، ونَفيٌ يَقَعُ على الأداة
فاءٌ على فاء. ضَربٌ، فضَلال، فعَجز. ثَلاثُ مَراتِبَ في سَبعِ كَلِمات، كُلُّ واحِدةٍ مَعقودةٌ بِما قَبلَها بِحَرفٍ واحِد. ولَو رُفِعَتِ الفاءانِ لَبَقِيَت ثَلاثُ أخبارٍ مُتَجاوِرةٍ لا يَجمَعُها شَيء.
و«يَستَطيعون» على وَزنِ استَفعَل. والطَّوعُ في جَذرِه انبِساطٌ يَلتَئِمُ بِما يُطلَبُ منه فيَجري بِه في مَضيقِه، مُطاوَعةُ الأداةِ لِمَن يُمسِكُها. فالاستِطاعةُ طَلَبُ هذا الطَّوعِ مِنها. والمَنفِيُّ إذَنْ لَيسَ عَزماً ولا رَغبةً: المَنفِيُّ أن تَنقادَ الأداةُ ساعةَ تُدعى.
و«سَبيلًا» مُنَكَّرة. لم يُقَلْ «لا يَستَطيعونَ السَّبيل» فيَكونَ الفائِتُ طَريقاً واحِداً بِعَينِه. نُكِّرَ فاستَغرَقَ النَّفيُ الجِنسَ كُلَّه: لا طَريقَ واحِداً. والسَّبيلُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.
وقد مَرَّتِ الكَلِمةُ نَفسُها قَريباً في هذا المَقطَع: إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. هُناكَ سَبيلٌ يُبتَغى لَو صَحَّ قَولُهُم، وهُنا سَبيلٌ لا يُطاوِعُهُم. لَفظٌ واحِدٌ في مَوضِعَين: ابتِغاءٌ مُعَلَّقٌ بِشَرطٍ لا يَقَع، وعَجزٌ واقِعٌ لا يُعَلَّق.
حَصيلة
أمرٌ بِالنَّظَرِ يَقَعُ على الهَيئةِ لا على المادّة، فلَم تُحكَ كَلِمةٌ واحِدةٌ مِمّا ضُرِب، وبَقِيَ ضارِبوها بِلا اسم. ثُمَّ فِعلٌ يَطبَعُ صورةً على مَحَلٍّ لِتَلزَمَه، مُوَجَّهاً بِلامِ الاختِصاصِ إلى واحِدٍ بِعَينِه، ومَجموعاً لا مُفرَداً، فتَكَرَّرَ الطَّبعُ ولم يُمسِك. ثُمَّ فاءٌ فضَلال، ثُمَّ فاءٌ فعَجز، والتَّرتيبُ مَقروءٌ على وَجهِه: ضَربٌ يَتبَعُه ضَلالٌ يَتبَعُه سُقوطُ الاستِطاعة. والعَجزُ مَصوغٌ بِصيغةِ الطَّلَب، فالمَنفِيُّ انقِيادُ الأداةِ لا نِيَّةُ صاحِبِها. والطَّريقُ مُنَكَّرٌ فلم يَفُتْهُم واحِدٌ بِعَينِه بَل الجِنسُ كُلُّه، وهو الطَّريقُ الذي كانَ قَبلَ قَليلٍ مُبتَغىً على شَرط. حَرفانِ اثنانِ يَحمِلانِ الآيةَ كُلَّها، وكِلاهُما فاء.