الإسراء · الآية 47

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا

«نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ»: باءٌ تَكشِفُ الآلةَ لا المَسموع

قُدِّمَ الضَّميرُ على الخَبَر: «نَحنُ» ثُمَّ «أعلَم»، والتَّقديمُ في مِثلِ هذا يَحصُرُ ويُثَبِّت.

ثُمَّ جاءَتِ الباءُ مَرَّتَينِ في نَفَسٍ واحِد: «أعلَمُ بِما»، و«يَستَمِعونَ بِه»، والثّانِيَةُ باءُ آلة. ولَو حُذِفَت لَصارَ المَعلومُ هو الكَلامَ الذي بَلَغَ أسماعَهُم، فلَمّا ثَبَتَت صارَ المَعلومُ هو الشَّيءَ الذي أصغَوا بِه.

وهذا مِحوَرُ الآية: فالأُذُنُ سَليمةٌ والصَّوتُ واصِل، والمَنظورُ إلَيه ما أُحضِرَ لِلسَّمعِ قَبلَ أن يَقَعَ السَّمع، أي أنَّ الكَلامَ يُسمَعُ بِشَيءٍ يُؤتى بِه من قَبلِ الكَلام.

«إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ»: الفِعلُ نَفسُه بِحَرفٍ آخَر

وأُعيدَ الفِعلُ بِحُروفِه في الآيةِ الواحِدة، وتَغَيَّرَ الحَرفُ الذي بَعدَه، فجاءَ مَرّةً بِالباءِ ومَرّةً بِـ«إلى»، والأولى تَكشِفُ ما أصغَوا بِه، والثّانِيَةُ تَكشِفُ إلى أينَ أصغَوا.

و«استَمَعَ» على وَزنِ افتَعَل، وتاؤُه تُرجِعُ الحَدَثَ إلى فاعِلِه، والمُرادُ إصغاءٌ يَتَكَلَّفونَه لِأنفُسِهِم، لا سَمعٌ يَقَعُ عَلَيهِم بِغَيرِ إرادَتِهِم، فالإقبالُ صَنعَتُهُم وهُم أصحابُه.

ومدارُ س-م-ع على جَرَيانٍ يُمسَكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَنفُذُ إلى العُمقِ فيَلتَقِطُ القَصد، فالاستِماعُ في أصلِ اللَّفظِ بُلوغُ المُرادِ لا بُلوغُ الصَّوت، ومَن أصغى بِأداةٍ لا تُبَلِّغُه القَصدَ فقد أطالَ الوُقوفَ ولم يَسمَعْ شَيئاً.

«وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ»: خَبَرٌ يَجعَلُهُم هُمُ السِّرَّ نَفسَه

وعُدِلَ عن «يَتَناجَون» إلى «هُم نَجوى»، وهُما مُبتَدَأٌ وخَبَر، والخَبَرُ اسمُ الحَدَثِ لا فِعلُه، فجُعِلوا هُمُ النَّجوى لا أصحابَها.

وأصلُ ن-ج-و انبِعاثٌ يَبرُزُ فيَنفَصِلُ عَمّا كانَ فيه، ثُمَّ يَنعَقِدُ على نَفسِه، ومِنه النَّجاةُ خُلوصٌ من مَهلَكة، والنَّجوةُ ما ارتَفَعَ من الأرضِ فسَلِمَ ممّا حَولَه، فالنَّجوى كَلامٌ يُفرَزُ عَمَّن حَولَه ثُمَّ يَنعَقِدُ بَينَ قَومٍ دونَ غَيرِهِم.

فهُما ساعَتانِ إذَن: إقبالٌ إلَيكَ وانعِقادٌ على حِدة، ظاهِرٌ يُقبِلُ وباطِنٌ يَنفَرِد، والآيةُ تَضَعُ السّاعَتَينِ تَحتَ عِلمٍ واحِد.

«إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ»: اسمٌ واحِدٌ لِلقائِلين، وهو وَصفُ فِعلِهِم

وهذه ثالِثةُ «إذ» في آيةٍ واحِدة، فهي ثَلاثُ ساعاتٍ يُشارُ إلَيها بِأداةٍ واحِدةٍ مُكَرَّرة: ساعةُ الإصغاء، وساعةُ الانفِراد، وساعةُ القَول.

ولم يُذكَرْ لِلقائِلينَ اسمٌ ولا عَدَدٌ ولا مَوضِع، وذُكِرَ لَهُم وَصفٌ واحِدٌ فقَط: «الظّالِمون»، وما لم تُسَمِّه الآيةُ يَبقى بِلا اسم.

والظُّلمُ من ظ-ل-م، وهو غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، ومِنه وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه. والقَولُ الذي يَتلو الوَصفَ هو عَينُ ذلك، أي يُنزَعُ ما لِلرَّجُلِ ويوضَعُ مَكانَه ما لَيسَ لَه، وقد سُمّوا بِفِعلِهِم قَبلَ أن يُذكَرَ فِعلُهُم، فكانَ الوَصفُ مُقَدِّمةً لِما بَعدَه.

«إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا»: حَصرٌ يَنزِعُ الاسمَ ثُمَّ يَنزِعُ الفِعل

و«إن» نافِيَةٌ و«إلّا» استِثناء، وهو حَصر. وقد وَرَدَ هذا البِناءُ نَفسُه في هذا المَقطَعِ قَبلَ آياتٍ فأثبَتَ العُمومَ لِكُلِّ شَيء، ويُستَعمَلُ هُنا لِنَزعِ كُلِّ شَيءٍ عن واحِد، فالأداةُ واحِدةٌ تُعطي الكُلَّ وتَسلُبُ الكُلّ.

و«تَتَّبِعون» خِطابٌ لِجَمعٍ سِواهُم، فالكَلامُ الذي انعَقَدَ على حِدةٍ يَخرُجُ مُوَجَّهاً إلى مَن يُخاطَب، والنَّجوى لا تَبقى نَجوى حينَ يُرادُ بِها غَيرُ أهلِها.

و«تَتَّبِعون» على وَزنِ افتَعَلَ أيضاً، وهي الصّيغةُ الثّانِيَةُ من هذا البابِ في الآية. ومادّةُ ت-ب-ع إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، والافتِعالُ يَرُدُّ التَّكَلُّفَ إلى صاحِبِه، فالتُّهمةُ مَبنِيّةٌ على أنَّ الاتِّباعَ صَنعةُ المُخاطَبين.

ثُمَّ جاءَ «رَجُلاً» نَكِرةً، فنُزِعَ الاسمُ ووُضِعَ مَكانَه جِنس، ثُمَّ «مَسحوراً» اسمَ مَفعول، فنُزِعَ الفِعلُ أيضاً، وصارَ في قَولِهِم مَفعولاً بِه ولم يَبقَ فاعِلاً، فهُما تَجريدانِ في كَلِمَتَين.

وأصلُ س-ح-ر حَصرٌ دَقيقٌ يَجري في مَضيقٍ ثُمَّ يُمسِكُ بِخِفّة، أي عَمَلٌ يَدِقُّ ويَخفى ثُمَّ يَأخُذُ صاحِبَه من حَيثُ لا يَراه، فالتُّهمةُ أنَّه مَأخوذٌ بِما لا يُبصَر. وقد سَبَقَ في صَدرِ الآيةِ أنَّ المَعلومَ هو ما أصغَوا هُم بِه، فهي تُهمةٌ رُدَّت قَبلَ أن تُقال، في أوَّلِ الجُملةِ التي حَكَتها.

وخُتِمَت هذه الآيةُ بِاسمِ مَفعولٍ كما خُتِمَت آيةُ الفاصِلِ في هذا المَقطَعِ بِاسمِ مَفعول، فهُناكَ وَقَعَ السَّترُ على حاجِز، وهُنا يَقَعُ الأخذُ على رَجُلٍ في قَولِهِم، والصّيغةُ واحِدةٌ والمَحكومُ عَلَيه يَختَلِف.


حَصيلة

ضَميرٌ مُقَدَّمٌ ثُمَّ أفعَلُ تَفضيل: «نَحنُ أعلَم». ثُمَّ باءُ آلةٍ تَنقُلُ العِلمَ من المَسموعِ إلى ما أُصغِيَ بِه، فيَصيرُ المَحسوبُ ما أُحضِرَ لِلسَّمعِ لا ما دَخَلَ فيه. ثُمَّ الفِعلُ نَفسُه بِحَرفٍ آخَر: «إلَيك»، والاستِماعُ على افتَعَلَ فِعلٌ يَتَكَلَّفونَه لِأنفُسِهِم، وس-م-ع بُلوغُ القَصدِ لا بُلوغُ الصَّوت. ثُمَّ «هُم نَجوى» خَبَرٌ بِاسمِ الحَدَث، ون-ج-و انفِصالٌ عمّا حَولَه ثُمَّ انعِقادٌ على حِدة. ثُمَّ ثالِثةُ «إذ»، والقائِلونَ لا اسمَ لَهُم إلّا «الظّالِمون»، وظ-ل-م إطباقٌ يَحوزُ الشَّيءَ ويُمسِكُه في باطِنِه. ثُمَّ يَسلُبُ الحَصرُ الكُلَّ هُنا، وهو نَفسُه الذي أعطى الكُلَّ في هذا المَقطَع: فـ«رَجُلاً» تَنزِعُ الاسم، و«مَسحوراً» تَنزِعُ الفِعل، وس-ح-ر أخذٌ دَقيقٌ خَفِيٌّ من حَيثُ لا يُرى. وقد قالوا إنَّه مَأخوذٌ بِما لا يُبصَر، وقيلَ قَبلَ قَولِهِم إنَّ المَعلومَ ما يُصغونَ هُم بِه.