طه · الآية 18

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ

«هِيَ عَصَايَ»: الجَوابُ تَمَّ عِندَ الكَلِمةِ الثّانية

سُئِلَ عن اسمٍ فأعطى الاسم. ولَو وَقَفَ السَّطرُ هُنا لَكانَ الجَوابُ تامّاً لا نَقصَ فيه: سُؤالٌ وجَوابُه، حَرفاً بِحَرف.

وأوَّلُ ما فَعَلَ أنَّه رَدَّ أداةَ الإشارةِ ضَميراً. قيلَ له وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ بِأداةِ بُعد، فقالَ «هِيَ» بِضَميرٍ لا بُعدَ فيه ولا قُرب.

ثُمَّ لم يَقُلِ الاسمَ مُجَرَّداً. قالَ «عَصَايَ» مُضافةً إلى نَفسِه. والعَصا لَها مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وفيه أنَّ ع-ص-و صَلابةٌ من عُمقٍ تُوصَلُ فتَمتَدُّ في وِجهة. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ حَرفٌ واحِدٌ في آخِرِ الكَلِمة: ياءٌ تَنسِبُها إلى قائِلِها.

«أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» و«وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي»: مَنفَعَتانِ بَعدَ تَمامِ الجَواب

الفِعلانِ مُضارِعان. لَيسا حِكايةَ ما وَقَعَ مَرّةً، بَل وَصفُ ما يَجري ويُعاد.

و«أَتَوَكَّأُ» من و-ك-أ على وَزنِ تَفَعَّل، والجَذرُ عَقدٌ مُمسِكٌ يُضغَطُ عَلَيه فيَحمِل، ومنه الوِكاءُ يُشَدُّ بِه رَأسُ القِربةِ فيَحبِسُ ما فيها. ووَزنُ تَفَعَّلَ يَجعَلُ الفاعِلَ هو الذي يُحَمِّلُ العَصا ثِقلَه، لا هي التي تَأخُذُه.

و«أَهُشُّ» من ه-ش-ش: رِخوٌ يَتَفَتَّتُ فيَنتَشِر، ومنه الهَشيمُ ما تَكَسَّرَ وتَناثَر. والفِعلُ جاءَ بِلا مَفعول، فلَم يُذكَرْ ما الذي يُنَثَّر.

واقرَأِ الحَرفَينِ. في الأولى «عَلَيْهَا»، فهي تَحتَه وهو مَحمولٌ عَلَيها. وفي الثّانِيةِ «بِهَا»، فهي في يَدِه وهو الحامِل. المَحمولُ صارَ حامِلاً في سَطرٍ واحِدٍ وبِحَرفِ جَرٍّ واحِدٍ تَبَدَّل.

ثُمَّ «عَلَىٰ غَنَمِي». وهي إضافةٌ ثانِيةٌ إلى المُتَكَلِّمِ بَعدَ «عَصَايَ». والغَنَمُ من غ-ن-م: مَستورٌ مَحوِيٌّ يُضَمُّ بَعضُه إلى بَعض. و«على» تَجعَلُ النَّثرَ واقِعاً فَوقَهُم.

«وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ»: جُملةٌ لا تُسَمّي شَيئاً

هذا ثالِثُ حَرفٍ يَقَعُ على الضَّميرِ نَفسِه. «عَلَيْهَا» فهي سَنَد، و«بِهَا» فهي آلة، و«فِيهَا» فهي وِعاء. حَرفُ الظَّرفِ يَجعَلُ العَصا مَحَلّاً لِما لم يُذكَر.

و«مَآرِبُ» جَمعٌ على صيغةِ مُنتَهى الجُموع، غَيرُ مُعَرَّفٍ ولا مَعدود. والجَذرُ أ-ر-ب شِدّةٌ تُمسِكُ فتَتَّصِلُ بِمَحَلِّها ولا تُفارِقُه، ومنه الأرَبُ الحاجةُ اللّازِمة، والإرْبُ العُضوُ المُحكَمُ في مَوضِعِه.

و«أُخْرَىٰ» لا تَصِفُ نَفسَها بِشَيء. تُعَرَّفُ بِالمُغايَرةِ وَحدَها: غَيرُ هاتَينِ اللَّتَينِ ذُكِرَتا. فالوَصفُ الوَحيدُ الذي أُعطِيَ لِآخِرِ ما قيلَ هو أنَّه لَيسَ ما قيلَ قَبلَه.

الزِّيادةُ نَفسُها هي ما يُقرَأ

سُئِلَ عن واحِدٍ فأعطى أربَعاً: اسماً، ثُمَّ مَنفَعة، ثُمَّ مَنفَعة، ثُمَّ باباً لا يُعَدُّ ما وَراءَه. والسُّؤالُ خَمسُ كَلِمات، والجَوابُ إحدى عَشرة.

ولا تَقولُ الآيةُ لِمَ زاد. تَقولُ ماذا زاد، وبِأيِّ تَرتيب. والتَّرتيبُ يَمشي من المُحَدَّدِ إلى المُبهَم: اسمٌ يُعرَف، ثُمَّ فِعلانِ يُوصَفان، ثُمَّ جَمعٌ لا يُسَمّى ولا يُحصى.

فآخِرُ ما زيدَ أقَلُّه بَياناً. الزِّيادةُ تَبدَأُ بِالتَّعيينِ وتَنتَهي إلى الإبهام.


حَصيلة

سُئِلَ عن اسمٍ فأعطاه في كَلِمَتَين، ورَدَّ أداةَ البُعدِ ضَميراً، ونَسَبَ الاسمَ إلى نَفسِه بِياءٍ في آخِرِه. ثُمَّ لم يَقِفْ. فِعلانِ مُضارِعانِ يَصِفانِ ما يَجري ويُعاد: «أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» فهي تَحتَه، و«أَهُشُّ بِهَا» فهي في يَدِه، وحَرفُ الجَرِّ وَحدَه يَقلِبُ المَحمولَ حامِلاً. ثُمَّ «عَلَىٰ غَنَمِي» إضافةٌ ثانِيةٌ إلى المُتَكَلِّم. ثُمَّ يَجيءُ الحَرفُ الثّالِثُ على الضَّميرِ نَفسِه: «فِيهَا»، فتَصيرُ العَصا وِعاءً لِما لم يُذكَر، و«مَآرِبُ» جَمعٌ لا يُعَرَّفُ ولا يُعَدّ، و«أُخْرَىٰ» لا تَقولُ عن نَفسِها إلّا أنَّها لَيست ما قيل. أربَعةُ أشياءَ حَيثُ طُلِبَ واحِد، مُرَتَّبةً من الاسمِ المَعروفِ إلى الجَمعِ المَجهول. والسَّطرُ الذي يُجيبُ بِأكثَرَ مِمّا سُئِل، آخِرُ ما يُعطيه أقَلُّ ما يُبين.