النبأ · الآية 34

﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَأْسًا دِهَاقًا

«وَكَأْسًا»: اسمٌ لا يَصدُقُ على الفارِغ

هذه رابِعةُ الكَلِماتِ التي تَنزِلُ بَدَلاً من إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، فقد قيلَ «خُروج» أوَّلاً ولم يُذكَرْ إلى أين، ثُمَّ أخَذَ التَّفصيلُ يَضيقُ دائِرَتَه: أرضٌ يُدارُ عَلَيها سُور، ثُمَّ ثَمَرٌ يَتَدَلّى فيها، ثُمَّ نَشءٌ استَوى على تُرابِها، ثُمَّ إناءٌ يُمسَكُ بِالكَفّ، فأوسَعُ ما في المَشهَدِ أوَّلُه، وأقرَبُه إلى اليَدِ آخِرُه.

والكَأسُ في جِذرِها (ك أ س) التِقاءٌ غائِرٌ يَتَداخَلُ فيَحبِسُ ما تَهَيَّأَ في جَوفِه، ثُمَّ نَفاذٌ يُخرِجُه من بَينِ حافَّتَيه. ومِنه في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الإناءَ لا يُسَمّى كَأساً إلّا وفيه شَرابُه، فإذا خَلا عادَ قَدَحاً، فالاسمُ يَحمِلُ مِلأَه في نَفسِه، ولَيسَ وَصفاً لِلزُّجاجِ ولا لِلخَشَب.

«دِهَاقًا»: مَلءٌ يَشتَدُّ حتّى لا يَبقى خَلاء

والجِذرُ (د ه ق) ضَغطٌ ثابِتٌ يَنزِلُ في خَلاءٍ فيَملَؤُه، ثُمَّ احتِباسٌ يَشتَدُّ عِندَ الحافَّةِ فلا يَقبَلُ زِيادة، ومِنه «أدهَقَ الإناءَ» إذا مَلأَه حتّى ضاقَ عَمّا يُزادُ فيه.

وهذا وَصفٌ يَزيدُ على الاسمِ ما كانَ الاسمُ يَحمِلُه ضِمناً، فالكَأسُ مَملوءةٌ بِحُكمِ تَسمِيَتِها، ثُمَّ يَجيءُ «دِهاقاً» فيَبلُغُ بِالمِلءِ طَرَفَه، فالمِلءُ مَذكورٌ مَرَّتَينِ في كَلِمَتَين: واحِدةٌ تُخبِرُ بِأنَّ فيها شَراباً، وواحِدةٌ تُخبِرُ بِأنَّه بَلَغَ الحافّة.

وفي الجِهةِ الأُخرى من السّورةِ ما يُقاسُ بِه هذا: لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾، فهُناكَ نَفيُ المَذوقِ أصلاً، وهُنا وِعاءٌ لا يَبقى في جَوفِه فَراغ، فالجِهَتانِ توزَنانِ بِالخَواءِ والامتِلاء.

«وَكَأْسًا دِهَاقًا»: تُسَمّى الظُّروفُ ويُسكَتُ عن المَظروف

ولم تُسَمِّ الآيةُ ما في الكَأس، فقد سَمَّتِ الوِعاءَ ووَصَفَت مِلأَه ثُمَّ وَقَفَت، والكَلِمَتانِ مَعاً تُعطِيانِ صورةَ الإناءِ في الكَفِّ وحَدَّ ما فيه، ولا تُعطِيانِ طَعمَه.

وهذه طَريقةُ المَقطَعِ كُلِّه: فـ«حَدائِقَ» سَمَّتِ الطَّوقَ دونَ الخُضرة، و«أعناباً» سَمَّت هَيئةَ العُنقودِ ولم تُسَمِّ مَذاقَه، و«كَواعِبَ أتراباً» سَمَّتِ البُلوغَ والمَنشَأَ وتَرَكَتِ الأسماء. ثُمَّ جاءَتِ الكَأسُ فأتَمَّتِ النَّسَق، إذ يوصَفُ ما يُحيطُ ويُمسِك، ويُترَكُ المُحاطُ بِه لِمَن يَبلُغُه.


حَصيلة

فالآيةُ تُتِمُّ سِلسِلةَ البَدَلِ من «مَفازاً» بِأضيَقِ حَلَقاتِها، مُنتَقِلةً من سُورٍ يَحوزُ أرضاً إلى إناءٍ يُمسَكُ بِكَفّ. و«كَأساً» من (ك أ س)، وهو التِقاءٌ غائِرٌ يَحبِسُ ما في جَوفِه ثُمَّ يُخرِجُه من بَينِ حافَّتَيه، ومِنه أنَّ الإناءَ لا يُسَمّى كَأساً إلّا وفيه شَرابُه، فالاسمُ حامِلٌ مِلأَه. و«دِهاقاً» من (د ه ق)، وهو ضَغطٌ يَملَأُ الخَلاءَ ثُمَّ يَشتَدُّ عِندَ الحافّةِ فلا يَقبَلُ زِيادة، فجاءَ الوَصفُ يَبلُغُ بِالمِلءِ طَرَفَه بَعدَ أن كانَ الاسمُ يَحمِلُه ضِمناً. وبِذلك تُقاسُ الجِهَتان، فهُناكَ لا يُذاقُ شَراب، وهُنا لا يَبقى في الجَوفِ فَراغ. ثُمَّ تَسكُتُ الآيةُ عن المَظروفِ كما سَكَتَت أخَواتُها عن الخُضرةِ والمَذاقِ والأسماء، فيُسَمّى ما يُحيطُ ويُمسِك، ويُترَكُ ما يُحاطُ بِه لِمَن يَبلُغُه.