النبأ · الآية 35

﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا

«لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا»: النَّفيُ يَقَعُ على التَّلَقّي لا على الصَّوت

بَعدَ أربَعِ آياتٍ تُري ما يُبصَرُ ويُمسَكُ، تَنتَقِلُ الآيةُ إلى الأُذُن. وهذا أوَّلُ نَفيٍ في هذه الجِهة: كانَ الوَصفُ إلى الآنَ إثباتاً يَعُدُّ ما هُناك، فإذا هو يَعُدُّ ما لَيسَ هُناك.

والجِذرُ (س م ع) انصِبابٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَنفُذُ إلى العُمقِ فيَلتَقِطُ القَصد، لا مُجَرَّدُ بُلوغِ صَوتٍ إلى صِماخ. فالمَنفِيُّ في الآيةِ أن يَدخُلَ هذا الضَّربُ من الكَلامِ في المَجرى فيَصِلَ إلى الباطِن. لَيسَ المَقصودُ صَمتاً يُطبِقُ على المَوضِع، بَل أنَّ ما يُتَلَقّى فيه لا يَكونُ من هذا الجِنس.

و«فيها» تَرُدُّ الوَصفَ إلى المَوضِعِ الذي فُصِّلَ في الآياتِ قَبلَها. وبِهذا الحَرفِ نَفسِه وُصِفَتِ الجِهةُ الأُخرى: لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾. قالَبٌ واحِدٌ يُصَبُّ عَلَيه الطَّرَفان: نَفيٌ، ثُمَّ ظَرفٌ، ثُمَّ اثنانِ مَعطوفانِ بِـ«ولا». هُناكَ يُنفى المَذوق، وهُنا يُنفى المَسموع.

«لَغْوًا»: قَولٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَغورُ فلا يَنعَقِد

الجِذرُ (ل غ و) تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَغورُ فيَستَتِر، ثُمَّ وَصلٌ يُلحِقُ هذا الهابِطَ بِلا عُقدةٍ تُمسِكُه. فاللَّغوُ في أصلِه صَوتٌ يَخرُجُ ويَمضي ولا يَبقى مِنه ما يُحمَل. لَيسَ ضِدَّه الصَّمت، وإنَّما ضِدُّه الكَلامُ الذي يَنعَقِدُ على شَيء.

وهو أوَّلُ المَنفِيَّينِ لِأنَّه أخَفُّهُما. لا يُؤذي أحَداً ولا يَنسِبُ إلى أحَدٍ ما لَيسَ فيه، وإنَّما يَملَأُ الوَقتَ بِما لا يُمسَك. ومَن أصغى إلى مَجلِسٍ كُلُّه لَغوٌ خَرَجَ مِنه وفي أُذُنِه رَنينٌ وفي يَدِه لا شَيء.

«وَلَا كِذَّابًا»: الكَلِمةُ نَفسُها تَعودُ من الجِهةِ المُقابِلة

الجِذرُ (ك ذ ب) إمساكٌ مَكتومٌ يُمَرِّرُ ما أمسَكَ على حَدٍّ يُحَرِّفُه ثُمَّ يَفتَحُ فيُخرِجُه مُحَرَّفاً. فالفَرقُ بَينَ المَنفِيَّينِ فَرقٌ في البِنية: الأوَّلُ قَولٌ لا يَنعَقِدُ أصلاً، والثاني قَولٌ يَنعَقِدُ ولكن على غَيرِ ما وَقَع. واحِدٌ يَتَبَدَّدُ، وواحِدٌ يَثبُتُ مُعوَجّاً.

و«كِذّاباً» على فِعّال، وهو مَصدَرُ «كَذَّبَ» لا مَصدَرُ «كَذَبَ». فالمَنفِيُّ لَيسَ الخَبَرَ الكاذِبَ وَحدَه، بَل الفِعلُ الذي يُوقِعُ التَّكذيبَ على غَيرِه ويَحكُمُ عليه بِه.

وهذه الكَلِمةُ بِعَينِها وَقَعَت في الجِهةِ الأُخرى من السّورة: وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. هُناكَ فِعلٌ وَقَعَ مِنهُم، وهُنا مَصدَرٌ لا يُسمَعُ لَه أثَر. لَفظٌ واحِدٌ يُوزَنُ بِه الطَّرَفان: ما مَلَأَ أفواهَ أولئك هو الذي لا يَقرَعُ أسماعَ هؤلاء.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من العَينِ إلى الأُذُن، ومن العَدِّ إلى النَّفي. و«يَسمَعون» (س م ع): انصِبابٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَنفُذُ إلى العُمقِ فيَلتَقِطُ القَصد، فالمَرفوعُ دُخولُ هذا الجِنسِ من الكَلامِ في المَجرى لا مُجَرَّدُ وُصولِ صَوت. و«فيها» تُعيدُ القالَبَ الذي وُصِفَت بِه الجِهةُ الأُخرى: نَفيٌ فظَرفٌ فاثنانِ بِـ«ولا»، هُناكَ في المَذوقِ وهُنا في المَسموع. و«لَغواً» (ل غ و): قَولٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَغورُ فلا يَنعَقِدُ على فائِدة. و«كِذّاباً» (ك ذ ب): إمساكٌ يُحَرِّفُ ما أمسَكَ ثُمَّ يُخرِجُه، وعلى فِعّالٍ يَصيرُ مَصدَرَ إيقاعِ التَّكذيبِ على الغَير. فالمَنفِيّانِ هُما الوَجهانِ اللَّذانِ يَفسُدُ بِهِما الكَلام: ما لا يَنعَقِدُ، وما يَنعَقِدُ مُعوَجّاً. وقد وَقَعَ ثانيهِما فِعلاً في الجِهةِ الأُخرى من السّورةِ بِلَفظِه، فصارَ اللَّفظُ الواحِدُ مِيزانَ الطَّرَفَين.