النبأ · الآية 33

﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

«وَكَوَاعِبَ»: نُتوءٌ يَرتَفِعُ عن سَطحِه وهو مَوصولٌ بِأصلِه

الجِذرُ (ك ع ب) التِقاءٌ غائِرٌ يَتَداخَلُ في العُمق، ثُمَّ يَظهَرُ ما التَقى مِن عُمقِه فيَنتَأُ فَوقَ سَطحِه، ثُمَّ يَربِطُه اتِّصالٌ بِما تَحتَه فلا يَنفَصِل. فالكَعبُ في كَلامِ العَرَبِ العَظمُ النّاتِئُ عِندَ مُلتَقى السّاقِ والقَدَم، وكَعبُ الرُّمحِ عُقدَتُه النّاتِئةُ في مَتنِه، وكَعَّبَ الشَّيءَ إذا جَعَلَه ذا نُتوءٍ مُستَوٍ.

و«كاعِب» اسمُ فاعِلٍ من هذا الأصل، ومَعناه ما بَلَغَ من نُشوئِه أن بانَ عن مَوضِعِه، فالوَصفُ في الجِذرِ واقِعٌ على تَمامِ البُلوغِ حتّى يَظهَرَ ما كانَ في الباطِن، فما كانَ غائِراً صارَ ظاهِراً، وما ظَهَرَ بَقِيَ مَوصولاً بِما نَبَتَ مِنه.

وجاءَ الجَمعُ «كَواعِبَ» على صيغةِ مُنتَهى الجُموع، فمُنِعَ من التَّنوينِ كما مُنِعَت «حَدائِقَ» قَبلَه. والمَذكورُ في الآيةِ وَصفٌ أُجرِيَ مَجرى الاسم، فيَبقى الوَصفُ هو المَعروضَ على السّامِع.

«أَتْرَابًا»: تَساوٍ في المَنشَإ

والجِذرُ (ت ر ب) قَطعٌ يُتِمُّ الحَدَث، ثُمَّ جَرَيانٌ مُستَرسِل، ثُمَّ اتِّصالٌ بِما تَلقاه وتَمَسُّكٌ بِه، ومِنه التُّرابُ نَفسُه، فهو طَبَقةٌ تُلامِسُ ولا تُمازِج، وتَجري بِأدنى دافِع.

ومن هذا الأصلِ «التِّرب»، وهو مَن نَشَأَ مَعَ صاحِبِه على تُرابٍ واحِدٍ فاستَوى بِه، فالتَّساوي في الكَلِمةِ تَساوٍ في المَنشَإِ قَبلَ أن يَكونَ تَساوِياً في العَدَدِ أو في السِّنّ، فلا سابِقَ فيه يَعلو ولا لاحِقَ يَتَخَلَّف، لِأنَّ الأرضَ التي نَبَتوا مِنها واحِدة.

ويَتَّصِلُ هذا بِـوَأَعْنَابًا﴾ في الآيةِ قَبلَها، فهُناكَ حَبّاتٌ خَرَجَت من عودٍ واحِدٍ فتَلاصَقَت، وهُنا نَشءٌ خَرَجَ من تُرابٍ واحِدٍ فاستَوى، والشَّكلُ واحِدٌ في الثَّمَرةِ وفي أهلِ المَوضِع، وهو كَثرةٌ لا تُرَتَّبُ فيها أوَّلِيّة.

«كَوَاعِبَ أَتْرَابًا»: بُلوغٌ يُبَيِّنُ ومَنشَأٌ يُسَوّي

والكَلِمَتانِ تَعمَلانِ في جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين: فالأُولى تُمَيِّز، إذ ما بَلَغَ فظَهَرَ عن سَطحِه صارَ لَه حَدٌّ يُعرَفُ بِه، والثانِيةُ تُسَوّي، إذ ما نَبَتَ من تُرابٍ واحِدٍ لا يَتَقَدَّمُ بَعضُه على بَعض.

فالبُروزُ هُنا غَيرُ مُنشِئٍ تَفاضُلاً، والتَّساوي غَيرُ مُذهِبٍ لِلتَّمَيُّز، فيَجتَمِعُ في المَوضِعِ تَمامٌ لا يُفاضِلُ وتَساوٍ لا يُنقِص.


حَصيلة

وبِهذا تُتِمُّ الآيةُ تَفصيلَ ما أُجمِلَ في «مَفازاً» بِوَصفَينِ مُتَقابِلَين. فـ«كَواعِبَ» من (ك ع ب)، وهو التِقاءٌ غائِرٌ يَظهَرُ من عُمقِه فيَنتَأُ عن سَطحِه وهو مَوصولٌ بِما تَحتَه، ومِنه الكَعبُ النّاتِئُ عِندَ مُلتَقى السّاقِ والقَدَمِ وكَعبُ الرُّمح، واسمُ الفاعِلِ مِنه يَقَعُ على تَمامِ البُلوغِ حتّى يَبينَ ما كانَ في الباطِن. و«أتراباً» من (ت ر ب)، وهو قَطعٌ فجَرَيانٌ فاتِّصالٌ بِما تَلقاه، ومِنه التُّرابُ، والتِّربُ الذي نَشَأَ على تُرابٍ واحِدٍ فاستَوى بِصاحِبِه، فالتَّساوي في المَنشَإ. والكَلِمَتانِ مُتَقابِلَتان، واحِدةٌ تُبَيِّنُ وواحِدةٌ تُسَوّي، فلا يَصيرُ البُروزُ تَفاضُلاً ولا يَصيرُ التَّساوي مَحواً. وتَتَّصِلُ الثانِيةُ بِما قَبلَها من العُنقود: خارِجٌ من أصلٍ واحِدٍ لا يَتَفَرَّق، ونَشءٌ من مَنشَإٍ واحِدٍ لا يَتَرَتَّب.