النازعات · الآية 40

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ

«وَأَمَّا مَنْ خَافَ»: القِسمُ الثّاني يَجيءُ بِمَفعولات

تَعطِفُ الواوُ قِسماً على قِسم، و«أمّا» تُعيدُ التَّفصيلَ من الجِهةِ الأُخرى، والبِناءُ واحِدٌ في الجِهَتَين: أداةٌ، فمَوصولٌ مُبهَم، ففِعلانِ يَصِفانِه، فجَوابٌ بِالفاء.

غَيرَ أنَّ الفَرقَ يُسمَعُ في المَفعول، ففي القِسمِ الأوَّلِ فِعلٌ لازِمٌ بِلا مَفعولٍ وفِعلٌ حُذِفَ مَتروكُه، والفِعلانِ هُنا مَذكورةٌ مَفعولاتُهُما كامِلة: خافَ مَقامَ رَبِّه، ونَهى النَّفسَ عَنِ الهَوى. فتِلكَ جِهةٌ تُوصَفُ بِما جاوَزَت ولا تُسَمّيه، وهذه جِهةٌ تُسَمّي ما خافَت وما كَفَّت وعمّا كَفَّت.

وأصلُ خ-و-ف فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، فالخَوفُ في جِذرِه تَخَلخُلُ الدّاخِلِ أمامَ ما يَرِد، لا انقِباضُه عنه، وهذا التَّخَلخُلُ هُنا مُتَعَدٍّ، لَه مَحَلٌّ يَقَعُ عَلَيه.

«مَقَامَ رَبِّهِ»: مَوضِعُ إمساكٍ لا مَوضِعُ انتِصاب

والجِذرُ ق-و-م عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه، ولَيسَ في حَرفَيهِ الصَّحيحَينِ وَجهُ ارتِفاعٍ واحِد، فالقِيامُ فيه مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، وقَولُ النّاسِ «قامَ» لِلمُنتَصِبِ فَرعٌ عن ذلك، غَيرُ أصلِه.

و«المَقام» على مَفعَل، وهو مَوضِعُ وُقوعِ الفِعل، فمَقامُ الرَّبِّ مَوضِعُ إمساكِه، لا هَيئةٌ يُتَخَيَّلُ لَها شَكل، والمَخوفُ إذَن مَوضِعٌ دونَ صورة.

وأُضيفَ إلى «رَبِّه» بِالضَّمير، ولم يُضَفْ إلى اسمٍ مُطلَق. وأصلُ ر-ب-ب جَريانٌ يَلتَصِقُ بِما يَجري فيه، وتَضعيفُ الباءِ يُديمُ هذا الالتِصاق، فهو مُلازَمةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من طَورٍ إلى طَور، والمَخوفُ مَوضِعُ إمساكِ مَن لَزِمَه وأنشَأَه طَوراً بَعدَ طَور، فالخائِفُ مَمسوكٌ في المَوضِعِ الذي يَخافُه.

«وَنَهَى النَّفْسَ»: كَفٌّ يَقَعُ قَبلَ الحَدِّ لا بَعدَه

والنَّهيُ من ن-ه-ي: رَنينٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ ثُمَّ يَنفُذُ نَفَساً خافِتاً فيَقِف، وتَمُدُّ الياءُ هذا الوُقوفَ في لين، فهو في جِذرِه إيقافٌ لَطيفٌ لا كَسرَ فيه، ومِنه «النِّهاية» حَيثُ يَنتَهي الشَّيء، و«النُّهية» في كَلامِ العَرَبِ العَقلُ، لِأنَّه يَكُفُّ صاحِبَه.

وهذا الكَفُّ يَقَعُ قَبلَ الحَدِّ لا بَعدَه، وهو بِعَينِه ما لم يَقَعْ في القِسمِ الأوَّل، فهُناكَ فَيضٌ جاوَزَ حَدَّه، وهُنا وُقوفٌ قَبلَ أن يُجاوَز، والجِهَتانِ تَلتَقِيانِ عِندَ الحَدِّ نَفسِه، إحداهُما تَعبُرُه والأُخرى تَقِفُ دونَه.

والمَفعولُ «النَّفس» بِأَلِفِ اللّامِ دونَ ضَميرٍ مُضاف، فجاءَ «النَّفسَ» ولم يَجِئْ «نَفسَه». والجِذرُ ن-ف-س انبِعاثٌ يَشُقُّ طَريقَه إلى الخارِجِ ثُمَّ يَنسابُ مُمتَدّاً، أي ذاتٌ تَنبَعِثُ ولا تَنغَلِق، فالمَكفوفُ هو هذا المُنبَعِثُ نَفسُه، سُمِّيَ بِجِنسِه لا بِنِسبَتِه، والكَفُّ يَصرِفُ الانبِعاثَ عن جِهةٍ ولا يُغلِقُه.

«عَنِ الْهَوَىٰ»: فَراغٌ لا يُمسِكُ ساقِطَه

وأصلُ ه-و-ي فَراغٌ يَنفَرِجُ فيُفضي إلى فَراغٍ بَعدَه، وتَمُدُّ الياءُ هذا الخَلاءَ فلا يَنتَهي إلى قَرار، ومِنه «هَوى» إذا سَقَطَ نُزولاً، و«الهَواء» لِما لا يُمسِكُ شَيئاً.

و«عن» حَرفُ مُجاوَزةٍ وتَنحِيَة، أي صَرفٌ عن جِهة، لا سَدٌّ لِباب، فالمَصروفُ عنه في الآيةِ مَوضِعٌ لا حائِلَ فيه ولا مُمسِك.

فاجتَمَعَ الطَّرَفانِ في آيةٍ واحِدةٍ مُتَقابِلَين: مَوضِعُ إمساكٍ خيفَ، وخَلاءٌ لا يُمسِكُ صُرِفَتِ النَّفسُ عنه. وقَد وُصِفَ صاحِبُ هذا القِسمِ بِفِعلَينِ كِلاهُما تَحَوُّلٌ في الوِجهة، ولم يوصَفْ بِفِعلَينِ يَعبُرانِ حَدّاً، إذ مَن خافَ ما يُمسِكُه لم يَحتَجْ إلى ما يُسقِطُه.


حَصيلة

يَعودُ البِناءُ نَفسُه من الجِهةِ الأُخرى: واوٌ، فـ«أمّا»، فمَوصولٌ مُبهَمٌ لا اسمَ لَه، ففِعلان. والفَرقُ في المَفعول، فالقِسمُ الأوَّلُ فِعلٌ لازِمٌ وفِعلٌ حُذِفَ مَتروكُه، وهذا القِسمُ يُسَمّي ما خافَ وما كَفَّ وعمّا كَفّ. والخَوفُ في خ-و-ف فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، وهو هُنا مُتَعَدٍّ لَه مَحَلّ، ومَحَلُّه «مَقامُ رَبِّه»، وق-و-م عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه، ولَيسَ في حُروفِه وَجهُ ارتِفاع، والمَقامُ على مَفعَلٍ مَوضِعُ وُقوعِ الفِعل، فهو مَوضِعُ إمساكٍ لا هَيئةُ انتِصاب. وأُضيفَ إلى «رَبِّه» بِالضَّمير، ور-ب-ب جَريانٌ يَلتَصِقُ ويَدومُ فيَنقُلُ المُلازَمَ طَوراً بَعدَ طَور. ثُمَّ «نَهى النَّفسَ»، ون-ه-ي رَنينٌ يَنبَعِثُ فيَنفُذُ خافِتاً فيَقِف، فهو إيقافٌ لَطيفٌ يَقَعُ قَبلَ الحَدِّ لا بَعدَه، وذلك بِعَينِه ما لم يَقَعْ في القِسمِ الأوَّلِ حَيثُ جووِزَ الحَدّ. والمَفعولُ بِأَلِفِ اللّامِ دونَ ضَميرٍ مُضاف، والنَّفسُ في ن-ف-س انبِعاثٌ يَشُقُّ ويَنساب، فلا يُغلِقُه الكَفّ، وإنَّما يَصرِفُه عن جِهة. والجِهةُ المَصروفُ عنها «الهَوى»، وه-و-ي فَراغٌ يُفضي إلى فَراغٍ فلا يَلقى فيه السّاقِطُ ما يُمسِكُه. فالآيةُ كُلُّها بَينَ مُمسِكٍ خيفَ وخَلاءٍ صُرِفَت عنه النَّفس، ومَن خافَ ما يُمسِكُه لم يَحتَجْ إلى ما يُسقِطُه.