عبس · الآية 25

﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا

«أَنَّا»: جَوابُ النَّظَرِ يَبتَدِئُ من غَيرِ المَنظور

قيلَ لَه انظُرْ إلى طَعامِه، فلَمّا فُتِحَ ما يُنظَرُ إليه لم يَكُنْ طَعاماً. كانَ فاعِلاً: فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ ثُمَّ «أنّا صَبَبنا». النَّظَرُ يَبدَأُ عِندَ الصَّحفةِ ويَنتَهي عِندَ مَن سَكَبَ.

وفي «أنّا» انقِلابُ الضَّمير. كانَ الكَلامُ عن غائِبٍ يُؤمَر، فصارَ عن مُتَكَلِّمٍ يُخبِرُ عن فِعلِه. ودَخَلَتِ النّونُ الفاعِلةُ فَجأةً في مَوضِعِ الجَواب: مَن نَظَرَ حَقَّ النَّظَرِ وَجَدَ في المَنظورِ يَداً غَيرَ يَدِه.

«صَبَبْنَا الْمَاءَ»: انحِدارٌ مُتَّصِلٌ لا رَشَّ فيه

الصَّبُّ في ص-ب-ب انحِدارٌ مُتَّصِلٌ من عُلُوٍّ إلى سُفلٍ يَغمُرُ ما تَحتَه. ولَيسَ في الجَذرِ تَقطيرٌ ولا تَفريق: مَجرىً واحِدٌ يَنفَتِحُ فيَمضي. فأوَّلُ ما في صِناعةِ الطَّعامِ ليسَ بَذراً ولا حَرثاً، بَل سَكبٌ من فَوق.

وجاءَ «الماء» مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللّام. لم يُقَلْ «ماءً» فيَكونَ قَدراً مِنه، بَل «الماء» فيَكونَ الجِنسَ كُلَّه. والماءُ في م-و-ه مَضمومٌ مَوصولٌ يَتَفَلَّتُ فيَجري: يَنحَبِسُ إذا حُبِسَ ويَسيلُ إذا أُطلِق. فهو أوَّلُ ما يُصَبُّ لِأنَّه أطوَعُ ما يُصَبّ.

«صَبًّا»: المَصدَرُ يُعادُ فيُخرِجُ الفِعلَ من المَجاز

كَلِمةٌ زائِدةٌ في الظّاهِر، لازِمةٌ في الحَقيقة. «صَبَبنا» ثُمَّ «صَبّاً»: الفِعلُ يُقالُ مَرّةً بِصيغَتِه ومَرّةً بِاسمِه. وإعادةُ الحَدَثِ اسماً بَعدَ الفِعلِ تُثَبِّتُه على حَقيقَتِه وتَمنَعُ حَملَه على التَّوَسُّع.

فلَيسَ الأمرُ سَحاباً يَمُرُّ ولا مَطَراً يُوصَفُ بِالكِنايةِ عن العَطاء. صَبٌّ وَقَعَ صَبّاً. وسَيَجيءُ بَعدَه فِعلٌ آخَرُ يُعادُ بِمَصدَرِه كذلك، فتَقومُ القائِمةُ كُلُّها على فِعلَينِ أُكِّدا بِأسمائِهِما.


حَصيلة

فُتِحَ بابُ النَّظَرِ على الطَّعامِ فإذا في أوَّلِه فاعِل. و«أنّا» تَقلِبُ الضَّميرَ من غائِبٍ يُؤمَرُ إلى مُتَكَلِّمٍ يُخبِرُ عن يَدِه. والصَّبُّ من ص-ب-ب انحِدارٌ مُتَّصِلٌ من عُلُوٍّ إلى سُفلٍ يَغمُرُ ما تَحتَه، لا تَقطيرَ فيه ولا تَفريق. و«الماء» مُعَرَّفٌ فيَعُمُّ الجِنسَ لا قَدراً مِنه، وهو في م-و-ه مَضمومٌ مَوصولٌ يَتَفَلَّتُ فيَجري، فيَنحَبِسُ إذا حُبِسَ ويَسيلُ إذا أُطلِق. ثُمَّ «صَبّاً» يُعادُ الحَدَثُ اسماً بَعدَ فِعلِه فيُثَبَّتُ على حَقيقَتِه. فأوَّلُ ما في الطَّعامِ سَكبٌ من فَوق، وأوَّلُ ما يَراه النّاظِرُ في صَحفَتِه أنَّ الأمرَ ابتَدَأَ فَوقَ رَأسِه.