عبس · الآية 37

﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ

«لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ»: يُجمَعونَ لِيُفرَدوا

بَدَأَتِ الآيةُ بِالتَّوزيعِ قَبلَ المُوَزَّع، فجاءَ «لِكُلِّ امرِئٍ» أوَّلاً، ثُمَّ «شَأنٌ» آخِراً، فيَعرِفُ السّامِعُ لِمَن قَبلَ أن يَعرِفَ ما.

و«كُلّ» من ك-ل-ل، وهو حَوزٌ مُحكَمٌ يَنبَسِطُ فلا يَدَعُ طَرَفاً خارِجَه، واللّامُ قَبلَه تُوَزِّعُ المَحوزَ آحاداً، فالكَلِمةُ تَجمَعُ ثُمَّ تُقَسِّمُ في نَفَسٍ واحِد.

وكانَ اللَّفظُ مُعَرَّفاً في يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾، فصارَ هُنا مُنَكَّراً في «امرِئٍ». والضَّميرُ في «مِنهُم» يَلُمُّ الخَمسةَ والسّادِسَ في جَماعةٍ واحِدة، ثُمَّ تَمضي الآيةُ فتُفَتِّتُها إلى آحاد، فهو جَمعٌ لا يُذكَرُ إلّا لِيُقَسَّم.

«شَأْنٌ»: أمرٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَنحَسِمُ على صاحِبِه

و«شَأنٌ» نَكِرة، ولم تُبَيِّنِ الآيةُ ما هو، ولا سَوَّت بَينَ اثنَينِ فيه، والتَّنكيرُ يَجعَلُ لِكُلِّ واحِدٍ شَأناً لا يُشبِهُ شَأنَ غَيرِه.

والشَّأنُ من ش-أ-ن: جَرَيانٌ نافِذٌ يَنحَسِمُ عِندَ حَدٍّ يَخُصُّه، ثُمَّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ إلى الظّاهِر، ومِنه شَأنُ الرَّجُلِ، أي أمرُه الذي يَقومُ بِه ويَشغَلُه. فالشَّأنُ ما يَطلُعُ من صاحِبِه نَفسِه، وهو غَيرُ حِملٍ يُوضَعُ عَلَيه من خارِج.

«يُغْنِيهِ»: الاستِغناءُ يُرَدُّ على مَن طَلَبَه

ومادّةُ غ-ن-ي سِترٌ يَحتَوي في الجَوفِ ثُمَّ يَنبَعِثُ لَطيفاً، فالغِنى اكتِفاءٌ يَستُرُ صاحِبَه عن الحاجةِ إلى غَيرِه، ومِنه المُغني لِما يَقومُ مَقامَ سِواهُ فلا يُطلَبُ مَعَه غَيرُه.

وقد جاءَ هذا الجَذرُ في هذه السّورةِ من قَبلُ: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾، وكانَ هُناكَ على استَفعَل، وهو طَلَبُ الغِنى وادِّعاؤُه لِلنَّفس، وجاءَ هُنا على أفعَل، والشَّأنُ فيه هو الفاعِل، والرَّجُلُ مَفعولٌ بِه، والذي طُلِبَ هُناكَ يَقَعُ هُنا.

والذينَ يَستُرُه شَأنُه عَنهُم هُمُ الذينَ عُدِّدوا قَبلَ ثَلاثِ آيات: أَخٌ وأُمٌّ وأَبٌ وصاحِبةٌ وبَنون، وهُم يَسقُطونَ كُلُّهُم تَحتَ حَرفٍ واحِدٍ في آخِرِ الآية.


حَصيلة

قُدِّمَ «لِكُلِّ امرِئٍ» على «شَأنٌ»، فالتَّوزيعُ قَبلَ المُوَزَّع. و«كُلّ» من ك-ل-ل حَوزٌ مُحكَمٌ لا يَدَعُ طَرَفاً خارِجَه، واللّامُ تُوَزِّعُه آحاداً. وقد كانَ «المَرء» مُعَرَّفاً في الفِرارِ فصارَ هُنا مُنَكَّراً، و«مِنهُم» يَلُمُّ الجَماعةَ لِتُفَتَّتَ إلى واحِد. و«شَأنٌ» نَكِرةٌ أصلُها ش-أ-ن، أي جَرَيانٌ يَنحَسِمُ ثُمَّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ إلى الظّاهِر، فهو طالِعٌ من صاحِبِه لا مَوضوعٌ عَلَيه. و«يُغنيهِ» من غ-ن-ي، أي سِترٌ يَحتَوي فيَكفي عن الحاجةِ إلى غَيرِه، وقد جاءَ على أفعَل والشَّأنُ فاعِلُه، ومَرَّ الجَذرُ نَفسُه في هذه السّورةِ على استَفعَل حينَ طُلِبَ الغِنى، فالمَطلوبُ هُناكَ واقِعٌ هُنا. وتَجمَعُ الآيةُ الخَمسةَ الذينَ فُرَّ مِنهُم تَحتَ حَرفٍ واحِدٍ هو هاءُ «يُغنيهِ».