التين · الآية 7

﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدَ بِالدِّينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدَ بِالدِّينِ

«فَما يُكَذِّبُكَ»: السُّؤالُ الذي ليس له جَواب

الاستِفهامُ في القرآنِ كثيراً ما يَأتي في صورَةِ سُؤالٍ لكنَّه ليس طَلَبَ مَعرِفَة. هو إيقافٌ للمُخاطَبِ أمامَ مَوقِفٍ يَنبَغي أن يَنظُرَ فيه. والصِّيغَةُ هنا «ما يُكَذِّبُك» تَطلُبُ من المُخاطَبِ أن يَبحَثَ في نَفسِه عن مَوضِعِ التَّكذيب: لو وَقَعَ، فأَيُّ شَيءٍ كانَ يَكذِبُه؟

والإسنادُ في الفِعلِ غَريب. لم يَقُل «ما يَجعَلُكَ تُكَذِّب»، بل «ما يُكَذِّبُك». الفاعِلُ هنا شَيءٌ يَدفَعُ المُخاطَبَ إلى التَّكذيب. كأنَّ التَّكذيبَ ليس فِعلاً يَختارُه المُخاطَبُ من نَفسِه، بل أَثَرٌ يَقَعُ عَلَيه من سَبَب. والسؤالُ يَستَدعي البَحثَ عن هذا السَّبَب: ما هو؟ هل هو شَهوَةٌ تَدفَع، أم غَفلَةٌ تَسحَب، أم كِبرٌ يَرفُض؟ مَهما كانَ السَّبَب، السورَةُ تَقولُ: لا سَبَبَ يَكفي بَعدَ ما عَرَفت.

«بَعدُ»: الفَجوَةُ بين ما رأى وما يَنطِق

«بَعدُ» تَفصِلُ زَمَنَين: قَبلَ ما تَقَدَّم، وبَعدَه. السورَةُ بَنَت في سِتِّ آياتٍ مَوقِفاً تامّاً: شَواهِد، حُكم، استِثناء. والآيَةُ السابعَةُ تَستَخدِمُ هذا البِناءَ ضِدَّ كلِّ مَن يَقِفُ عَلَيه فيُكَذِّب. الزَّمَنُ بَعدَ هذا البِناءِ ليس كالزَّمَنِ قَبلَه. مَن سَمِعَ السورَةَ ثُمَّ كَذَّبَ بالدِّين بَعدَها، يُكَذِّبُ مع شُهودٍ في الغُرفَة.

وفي البَقَرَةِ، حينَ تَتَكَرَّرُ شَواهِدُ الكَونِ ثُمَّ يَأتي الحُكم: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. الشَّواهِدُ فُرِضَت ليَعقِلَ مَن يَعقِل. والسورَةُ هنا تَقولُ الشَّيءَ نَفسَه بصورَةٍ أَلطَف: بَعدَ كلِّ ما رأيت، ما الذي يَكذِبُكَ بالدِّين؟

«بالدِّين»: الإلزامُ المُمتَدّ الذي يَنتَهي بالجَزاء

الجذرُ د-ي-ن في العَرَبيَّةِ يَجمَعُ ثَلاثَةَ مَعانٍ مُتَّصِلَة: ما يُلزَمُ به الإنسانُ في سُلوكِه، وما يُحاسَبُ عليه عند انتِهاءِ المَوقِف، وما يُجزى به مِن ثَوابٍ أو عِقاب. وكُلُّها في الجَذرِ صورةٌ واحِدَة: ضَبطٌ يَمتَدُّ ويَنبَعِث، إلزامٌ يَنتَهي إلى رَدّ.

وفي السورَةِ، السِّياقُ يُبرِزُ الثَّالث. ما تَقَدَّمَ من حُكمٍ على الإنسانِ ومن استِثناءٍ بالنَّجاة هو صورَةٌ من صُوَرِ الجَزاء. والتَّكذيبُ بالدِّينِ هنا هو إنكارُ أنَّ ثَمَّةَ يَوماً يَنفَكُّ فيه القاعِدَةُ والاستِثناء، يَومٌ يَقومُ فيه الناسُ في صَفَّين: مَن خُلِقَ ورُدّ، ومَن آمَنَ وعَمِلَ فلَه أَجرُه. مَن أَنكَرَ هذا اليَومَ بَعدَ ما رأى الكَونَ يَشهَد، فما الذي يَكذِبُه؟

والفاتِحَةُ تَختِمُ ذِكرَها للهِ بـمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. اليَومُ نَفسُه. الفاتِحَةُ تَنطِقُ به اعتِرافاً، والتِّينُ تَستَنكِرُ على مَن يَنطِقُ بنَقيضِه. السورَةُ تَأخُذُ المُخاطَبَ في ضَميرِه فَتَهُزُّه: أنتَ الذي قَرَأتَ الفاتِحَةَ في صَلاتِك، كَيفَ تُكَذِّبُ بالدِّينِ بَعدَ هذا؟


حَصيلة

السورَةُ تَستَدير. كانَت تَتَكَلَّمُ عن الإنسانِ في تَقويمِه ورَدِّه وفي نَجاةِ مَن آمَنَ وعَمِل، والآن تُخاطِبُه مُباشَرَةً. «فَما يُكَذِّبُك» استِفهامٌ استِنكاريٌّ فيه خُصوصِيَّةٌ في الصِّيغَة: الفِعلُ مُسنَدٌ إلى فاعِلٍ خارِجيٍّ «يَكذِبُك»، كأنَّ التَّكذيبَ ليس اختِياراً صافياً بل أَثَرُ شَيءٍ يَدفَع، والسؤالُ يَستَدعي البَحثَ في النَّفسِ عن هذا الدافِع. «بَعدُ» تَفصِلُ بين زَمَنَين: ما مَضى من شَواهِدَ وأَحكام، وما يَأتي بَعدَها. بَعدَ أربَعَةِ شُهودٍ وإقرارِ القِوامِ والرَّدِّ والاستِثناء، لا يَنبَغي أن يَبقى مَجالٌ للتَّكذيب. «الدِّين» (د-ي-ن) يَجمَعُ ثَلاثَةَ مَعانٍ مُتَّصِلَة: ما يُلزَم، وما يُحاسَبُ عَلَيه، وما يُجزى به. والفاتِحَةُ تَختِمُ ذِكرَها للهِ بِـمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: نَفسُ اليَوم. السورَةُ تَترُكُ القارئَ وَجهاً لِوَجهٍ مع ضَميرِه، في سؤالٍ لا جَوابَ له إلّا الصَّمتُ أو الاعتِراف.