البقرة · الآية 158

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ: جذرا الاسمَين (ص ف و) و (م ر و) وبنية التضادّ المُكمِّل

الآية تَفتَح بـإِنَّ المُفيدة لتَوكيد خَبر قد يَتَردَّد فيه السامع. وهذا وحده يُشير إلى أنّ بعض المخاطبين كان يَشُكّ في كَون الصفا والمروة من الشعائر. ثمّ تَختار الآيةُ موقعَين جُغرافِيَّين سَمَّتهما العرب بصفاتِهما لا بأسمائهما: «الصفا» من (ص ف و) وهو الصخر الأملس الصلب الذي لا يَعلَق به شيء، و«المروة» من (م ر و) وهو الحجر الليّن الأبيض الذي يَتَفَتَّت. وبين النواتَين (صف) صلابةٌ فاصلة و(مر) استمرارٌ لَيِّن تَضادٌّ مَقصود: حركة السعي بين النُقطتَين تَتَردَّد بين صَلابة لا تَعلَق وليونة تَتَفَتَّت. فالمَعلَمان ليسا مجرّد تَلَّتَين في الحَرَم، بل بِنيَتان لُغَويَّتان ضِدِّيَّتان تَنتَظمانِ حركة السَّعي كَما يَنتَظم الإيقاعَ طَرَفاه.

مِن شَعَائِرِ اللَّهِ: «من» التبعيضيّة وإضافة الشَّعيرة إلى الله تَنفي الاعتباط

«من» هنا تبعيضيّة: الصفا والمروة بعضٌ من شعائر أوسع، لا كلّها. وإضافة الشَّعائر إلى الله شَعَائِرِ اللَّهِ إضافةٌ من باب التَّشريف والحَصر: ليست الشَّعيرة إبداعاً بَشَريّاً يُختار بموروثٍ ثقافيّ، ولا اصطِفاء قَبِيليّ، بل تَنصيبٌ إلهيّ يَرجع إلى معنى جذر (ش ع ر) نفسه: الانتشار الذي يَظهر من العمق. فالشَّعيرة عَلامةٌ ظاهرة تَنبَعث من معنىً باطن. هذا التأصيل يَردّ كلّ محاولة لتَحويل الشعائر إلى أوعية فارغة يُصبّ فيها ما يَرتَضيه الزمان. ما تَركه الله شَعيرةً بَقِيَ شَعيرةً وإن غُطِّيَ بالأصنام، وما لم يُنَصِّبه الله شَعيرةً فلن تَنهض له شَعيرةٌ بِقَرار بَشَر.

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ: (ح ج ج) قَصدٌ مُوَقَّت و(ع م ر) اعتمارٌ يَنعَكس على الذات

العطف بـأَوِ يَكشف أنّ الحَجّ والعمرة فِعلان مُتَمايزان لا مُترادِفان. الحَجّ من (ح ج ج) قصدٌ خالص يُلِحّ ويَتَكَرَّر في تاء الضَّمير نفسها (ح + ج + ج)، وهذا الإلحاح الثنائيّ يُفَسِّر لماذا اشتَرَط الحَجّ ميقاتاً زمنيّاً مَعلوماً: القَصد الحاسم لا يَقبَل التَّمَدُّد على كلّ الوقت. أمّا اللفظ اعْتَمَرَ فَيَقفز من (ع م ر) العمارة المادِّيّة (عَمَّر) إلى صيغة افتَعَل التي تَرُدّ الفعل على فاعله: المُعتَمِر لا يُعَمِّر البيتَ فَحَسب، بل يَتَعَمَّر هو بِذَهابِه. اختيار الصيغة الانعكاسيّة على غير ما هو مألوف في العَمارة يَنقُل العمرة من مُنسَكٍ مَكانيّ إلى حالة ذاتيّة: البيتُ يُعَمَّر بالسُّكّان، والسّاكنُ يُعَمَّر بالبيت.

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ: (ج ن ح) المَيل عن الاستقامة، أخفّ من الجُرم

لم تقل الآية: «فلا إثم عليه»، ولا: «فلا جُرم عليه»، بل: فَلَا جُنَاحَ من (ج ن ح) = المَيل. والجُناح في الاستعمال اللغويّ ميلٌ خفيف عن الاستقامة، أقلّ رُتبةً من الإثم والجُرم (ومنه: محكمة الجُنَح تَفصل فيما دون الجنايات). وفي اختيار هذه اللفظة الخفيفة إشارةٌ نفسيّة دقيقة: الذين تَحَرَّجوا من السعي بين التَّلَّتَين لم يَكونوا يَظُنّون أنّهم يَرتَكبون جريمة، بل كان في نفوسهم ميلٌ خفيّ بالخشية من أن يكون عَمَلُهم غير مَرضيّ بسببِ ما كانَ قَدِ التَصَقَ بالمَوضِعَين مِمّا ليسَ من الشَّعيرة. فجاء نفي الجُناح بالذات ليَرفَع هذا المَيل النفسيّ الخفيف، لا لِيَنفي تُهمةً ثقيلة لم تُوجَّه ابتداءً. وهذا الرَّصد الدقيق لحجم الحَرَج يَكشف سعة الرحمة في اختيار اللَّفظ.

أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا: صيغة تَفَعَّل بإدغام التاء في الطاء = حركةٌ تَتَكَرَّر بِذاتِ المَتحرِّك

الأصل: يَتَطَوَّف، أُدغِمَت التاء في الطاء بعد قَلبِها فأُصبِحت يَطَّوَّفَ بشَدَّتَين. وصيغة تَفَعَّل تُفيد التَّكَلُّف والتَّكرار بفعلٍ من الذات. والطَّواف من (ط و ف) = الدَّوَران حول مركز، لكنّ صيغة تَفَعَّل تَنقُله من دورانٍ عام إلى تَرَدُّدٍ مُتَعَمَّد بين طَرَفَين. والباء في بِهِمَا باء المُلابَسة لا الظَّرفيّة، أي: يَتَّصِل بهما اتّصال مُلابَسةٍ في دَورانه، لا يَدور حولهما من خارج. هذا الفرق الدقيق بين «يَطوف حولهما» و«يَطَّوَّف بهما» يُعَيِّن أنّ الحَرَكة المَطلوبة تَداخُلٌ مع المَعلَمَين، لا مُشاهَدة من بُعد.

وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا: الطَّوع (ط و ع) إرادةٌ مَحضة فوق المُلزِم، وخَيراً مفعول مطلق نوعيّ

تَطَوَّع أيضاً على صيغة تَفَعَّل من (ط و ع) = الانقياد بإرادةٍ داخليّة لا بإكراه. وبناء تَفَعَّل يُضيف تَكَلُّفَ الانقياد، أي بَذل الجَهد للدخول طَوعاً فيما ليس مَفروضاً. وخَيْرًا نَكِرة مَنصوبة بوصف النَّوع لا الكَمّ: لم يَقل: «تَطَوَّع بالخير»، بل: تَطَوَّعَ خَيْرًا حيث خَيْرًا مفعول به أو مفعول مطلق نوعيّ يُحَدِّد جَوهر التَّطَوُّع لا مُتَعَلِّقه. فالمُتَطَوِّع هنا لا يَبذُل فِعلاً إضافيّاً ثمّ يُسمّيه خَيراً، بل يَبذُل «خَيراً» بذاته، أي يَتَحَرَّك في بُقعةٍ وجوديّة تَكون حَركته فيها مَحض خَير. وهذا مَقامٌ يَعلو على رَفع الجُناح: فإذا كان لَا جُنَاحَ يُخاطب المُتَحَرِّج الخائف، فإنّ تَطَوَّعَ خَيْرًا يُخاطب المُقبِل المُبادِر.

فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ: الشُّكر من الله انعكاسُ اتّجاه، والعِلم قَيدٌ يَرفع الغَفلة

اسم شَاكِرٌ مُسنَداً إلى الله مَقلوبُ الاتّجاه عن المُتَعارَف عليه. فالشُّكر في الاستعمال البَشَريّ استجابةٌ من المُنعَم عليه إلى المُنعِم. فإذا وُصِفَ الله به، انعكسَ الاتّجاه: أصبح المُنعِمُ المُطلَقُ هو الشاكرَ لِما قَدَّمه العبد، وكأنّ الله يُكَرِّم عبدَه بإعطائه مَقام «الطَّرَف الأوّل في المُعامَلة»، مع أنّ كلّ ما يَفعله العبدُ هو أصلاً من الله. ثمّ يُقَيَّد شَاكِرٌ بِـعَلِيمٌ لِيَمنع الوَهمَ أنّ الشُّكر الإلهيّ قد يَحدث عن ظاهرٍ خادع: عَلِيمٌ يَنفُذ إلى قَلب التَّطَوُّع ويَعرف إن كان عَن إرادةٍ مَحضة أو عن رِياء. وبين الاسمَين توازنٌ دقيق: شَاكِرٌ يَفتَح باب العَطاء، وعَلِيمٌ يُحَدِّد مَن يَستحقّه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الصفا والمروة لم تَكن مُقَدَّسَتَين لذاتِهما، بل لأنّ الله نَصَّبَهما شَعيرَتَين تَحمِلان بِنيةً ضِدِّيَّة (صلابة/ليونة) تَنتَظِم بها حَركة السَّعي، والحاجّ المُعتَمِر يَتَحَوَّل بالفعل (اعتمر، يَطَّوَّف، تَطَوَّع) إلى إعمارٍ ذاتيّ يَرتَدّ عليه، لا إلى طَقسٍ مُستَقِلّ عن إنسانِه.


حَصيلة

افتَتَحَت الآيةُ بِـإِنَّ﴾ التَّوكيديَّةِ لأنَّ بَعضَ المُخاطَبينَ تَحَرَّجَ من الشَّعيرَةِ بِسَبَبِ ما كانَ التَصَقَ بِالمَوضِعَين مِمّا ليسَ منها. واختيارُ اسمَي الصَّفا والمَروَةِ يَحمِلُ بِنيَةَ تَضادٍّ مُكَمِّل: (ص-ف-و) صَخرٌ أملَسُ صُلبٌ لا يَعلَقُ بِه شيء، و(م-ر-و) حَجَرٌ لَيِّنٌ يَتَفَتَّت؛ حَرَكَةُ السَّعيِ بَينَهُما تَتَرَدَّدُ بَينَ صَلابَةٍ فاصِلَةٍ وليونَةٍ مُسترسِلَة. وإضافَةُ الشَّعائِرِ إلى الله مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ تَنفي الاعتِباطَ والاصطِفاءَ القَبَليَّ: الشَّعيرَةُ ما يَنبَعِثُ من باطِنٍ إلى ظُهور. والعَطفُ بِـ«أو» بَينَ الحَجِّ والعُمرَةِ يُمَيِّزُ بَينَهُما: (ح-ج-ج) قَصدٌ يُلِحُّ يَتَكَرَّرُ في ضَميرِه ذاتِه فاشتَرَطَ مِيقاتاً زَمَنيّاً، أمّا «اعتَمَرَ» من (ع-م-ر) بِصيغَةِ الافتِعالِ الانعِكاسيَّةِ فيَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه: المُعتَمِرُ يَتَعَمَّرُ هو. ونَفيُ فَلَا جُنَاحَ﴾ أَخَفُّ من نَفيِ الإثم لأنَّه يَرفَعُ المَيلَ النَّفسيَّ الخَفيفَ لا تُهمَةً ثَقيلَة. وخِتامُ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يَقلِبُ الاتِّجاهَ: الله شاكِرٌ لِمَن تَطَوَّعَ، فالمُنعِمُ المُطلَقُ يَكرِمُ عَبدَهُ بِمَقامِ «الطَّرَفِ الأوَّلِ في المُعامَلَة»، ويُقَيِّدُهُ بِـ«عَليم» لِيَنفَذَ إلى صِدقِ التَّطَوُّع.