البقرة · الآية 270

﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

(ن ف ق)+(ن ذ ر) التَّسويَةُ في العَطف

والآيةُ تُسَوّي بَينَ النَّفَقةِ والنَّذرِ بعَطفِ «أو»، والإنفاقُ من (ن ف ق) مَعلومُ الحُكمِ مُسبَقًا، والنَّذرُ من (ن ذ ر) التِزامٌ ذاتيٌّ يَفرِضُهُ المرءُ عَلى نَفسِه بصيغةٍ مُحَدَّدة، ومع ذلكَ يُسَوِّي القُرآنُ بَينَهما في خُضوعِهِما للعِلمِ الإلهيّ. وهذا عَدلٌ في المَوازين: لا يَكفي أن يُنفِقَ الإنسانُ الواجِبَ ويَترُكَ ما ألزَمَ نَفسَه به، ولا العَكس، وكِلاهُما في سِجِلٍّ واحِد.

«مِن نَفَقةٍ» و«مِن نَذرٍ» التَّنكيرُ للعُموم

والتَّنكيرُ في «نَفَقةٍ» و«نَذرٍ» للعُمومِ والإطلاق، أي أيَّةُ نَفَقةٍ مَهما كانَ قَدرُها، وأيُّ نَذرٍ مَهما كانَ شَكلُه. فلا يَنجو قَرارُ إنفاقٍ صَغيرٌ من العِلمِ الإلهيّ، ولا يَمُرُّ نَذرٌ هو هَمسٌ في خَلوةٍ بِلا تَسجيل، والقُرآنُ يَسُدُّ كلَّ ثَغرةٍ قد يَتَسَلَّلُ مِنها المُنفِقُ ليَقولَ «الصَّغيرُ لا يُحصى» أو «النَّذرُ الخاصُّ لا يُراقَب».

(ع ل م) العِلمُ كَشاهِدٍ نِيابة

و«فإنَّ اللهَ يَعلَمُه» جاءَ بصيغةِ التَّوكيدِ «إنَّ» مع الفاءِ الرّابِطة، والفاءُ تَربِطُ الشَّرطَ بالجَوابِ، وكأنَّ القُرآنَ يَقولُ: ما إن تُنفِقَ أو تَنذُرَ حتَّى يُدَوَّنَ ذلكَ في عِلمٍ إلهيّ. وهذا العِلمُ يَحُلُّ مَحَلَّ الشَّهادةِ البَشَريَّةِ تَمامًا، والمُنفِقُ الذي يَخافُ أن لا يُرى فَضلُه يَعلَمُ أنَّ الشّاهِدَ الأعلى يَعلَم، والذي يَنذُرُ في سِرٍّ لا يُفَكِّرُ في التَّهَرُّب، لأنَّ ما يَكتُبُه الظَّرفُ الإلهيُّ لا يُمحى.

نَقلُ الحاجةِ إلى الشَّهادة

وتَنقُلُ الآيةُ الرَّغبةَ في الاعتِرافِ من الأُفُقِ الاجتِماعيِّ إلى الأُفُقِ الإلهيّ: الآيةُ 264 بَيَّنَت خَطَرَ طَلَبِ نَظَرِ النّاس، والآيةُ 265 بَيَّنَت «واللهُ بما تَعمَلونَ بَصير»، ثُمَّ جاءَت 270 تُؤَكِّدُ «فإنَّ اللهَ يَعلَمُه». والقُرآنُ يَبني بِدَأبٍ مَلَكةَ الثِّقةِ بالشَّهادةِ الإلهيَّةِ الكافيةِ عنِ الشَّهادةِ البَشَريَّة، وهي ثَلاثُ طَبقاتٍ مُتَكَرِّرة: بَصَرٌ وعِلمٌ وتَدوين، ولا مَخرَجَ مَعَها للتَّذَرُّعِ بِضَياعِ الأثَر.

(ظ ل م) الظُّلمُ في سِياقِ الإنفاق

و«وما للظّالِمينَ من أنصار» نَقلةٌ من الإيجابيِّ (عِلمُ الله) إلى السَّلبيّ (حالُ الظّالِم)، والرَّبطُ بَينَهُما أنَّ الظُّلمَ هنا يَشمَلُ مَن مَنَعَ الإنفاقَ الواجِبَ أو أنكَرَ النَّذرَ الذي ألزَمَ نَفسَه به. فالظُّلمُ في العَرَبيَّةِ وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَكانِه، والمالُ الذي كانَ يَجِبُ أن يَخرُجَ صَدَقةً ثمَّ احتُجِزَ في كَفِّ صاحِبِه مَوضوعٌ في غَيرِ مَكانِه، فمانِعُه ظالِم.

(ن ص ر) الأنصارُ الغائِبون

و«من أنصارٍ» من (ن ص ر)، والنّاصِرُ هو الذي يَدفَعُ الضَّرَرَ ويُعينُ عِندَ الحاجة، والآيةُ تَنفي عن الظّالِمِ أنصارَه، وهو نَفيٌ مُزدَوَج: لا أنصارَ في الدُّنيا يَحمونَ سُمعَتَه حينَ يَنكَشِفُ، ولا أنصارَ في الآخِرةِ يُشَفِّعونَ له بعدَ مَوتِه. والظّالِمُ في مَنعِ الإنفاقِ يَحسَبُ أنَّ المالَ يَحميهِ من الفَقر، فإذا هو في الحَقيقةِ قد وَضَعَ نَفسَه في مَوقِعٍ لا حامِيَ له فيه.

القَطعُ بَينَ الإنفاقِ والظُّلم

وفي الآيةِ بِنيةٌ ثُنائيَّة: مَن أنفَقَ أو نَذَرَ فاللهُ يَعلَمُ ويُسَدِّد، ومَن ظَلَمَ (بمَنعٍ أو نَكث) فلا ناصِرَ له. وهذا قانونٌ داخِليّ، وليسَ تَهديدًا خارِجيًّا: مَن دَخَلَ في دائِرةِ العَطاءِ دَخَلَ في رِعايةِ العَليم، ومَن خَرَجَ مِنها إلى دائِرةِ الامتِناعِ انقَطَعَت عنه شَبَكةُ النُّصرة، والمَوقِعانِ مُتَباعِدانِ تَباعُدًا كامِلًا.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الشَّهادةِ الإلهيَّةِ الكاملةِ عَلى كُلِّ نَفَقةٍ ونَذر» يَسبِقُ دَورَ «الحاجةِ إلى تَدوينٍ بَشَريٍّ أو ذِكرٍ عُلنيّ»، ودَورُ «حَبسِ الحَقِّ باعتِبارِه ظُلمًا» يَسبِقُ دَورَ «حَبسِه باعتِبارِه اختِيارًا شَخصيًّا».


حَصيلة

خَتمٌ مُرَكَّزٌ عَلى قانونَينِ مُتَكامِلَين. الأوَّلُ أنَّ كُلَّ نَفَقةٍ (ن-ف-ق) ونَذرٍ (ن-ذ-ر) في عِلمِ اللهِ تَمامًا، والتَّنكيرُ في «نَفَقةٍ» و«نَذرٍ» للعُموم: لا يَنجو الصَّغيرُ بِصِغَرِه ولا الخاصُّ بِخُصوصيَّتِه. والعِلمُ الإلَهيُّ (ع-ل-م) يَحُلُّ مَحَلَّ الشَّهادةِ البَشَريَّةِ تَمامًا، فمَن طَلَبَ الاعتِرافَ الاجتِماعيَّ فقد طَلَبَ أجرًا مُزدَوَجًا وأبطَلَ إنفاقَه. والثّاني وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، والظُّلمُ (ظ-ل-م) هُنا وَضعُ المالِ في غَيرِ مَوضِعِه، أي احتِجازُ ما كانَ يَجِبُ أن يَخرُجَ. والنَّصرُ (ن-ص-ر) دَفعُ الضَّرَرِ عِندَ الحاجة، والظّالِمُ في مَنعِ الإنفاقِ يَظُنُّ المالَ حِمايةً فإذا به يَفقِدُ شَبَكةَ النُّصرةِ الإلَهيَّة. والمَوقِعانِ مُتَباعِدانِ تَمامًا: مَن دَخَلَ دائِرةَ العَطاءِ دَخَلَ رِعايةَ العَليم، ومَن خَرَجَ إلى دائِرةِ الاحتِجازِ الظّالِمِ وَجَدَ نَفسَه بِلا ناصِر.