البقرة · الآية 269
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
(ح ك م) الحِكمةُ كَتَمييز
أُلاحِظُ أنَّ (ح ك م) في العَرَبيَّةِ يَحمِلُ مَعنى المَنعِ والضَّبط. الحاكِمُ يَمنَعُ الخُروجَ عنِ الحَقّ، والحِكمةُ هي مَنعُ العَقلِ من الشَّطَط. الحِكمةُ إذن ليست المَعرِفةَ بل تَمييزُ الوَقتِ والمَحَلِّ والقَدر. إنَّها قُدرةُ العَقلِ عَلى أن يُميِّزَ في كلِّ قَضيَّةٍ ما يُناسِبُها. وفي سِياقِ الإنفاق، الحِكمةُ تَعرِفُ لمَن تُنفِق، وبِكَم، وبأيِّ قَولٍ أو سُكوت، وبأيِّ توقيت، وهل تُعلِنُ أم تُسِرُّ. وهذا ما يَحتاجُ إليه المُنفِقُ بعدَ الآياتِ السَّتّ السّابِقة.
(أ ت ي) الحِكمةُ تُؤتى لا تُكتَسَب
أُبَيِّنُ أنَّ الفِعلَ «يُؤتي» بِصِيغةِ الإيتاءِ لا الإتيان. الإيتاءُ إعطاءٌ من فاعِلٍ أعلى، والحِكمةُ هنا لا تُقَدَّمُ كَتَحصيلٍ ذاتيٍّ بل كَهِبَةٍ إلهيَّة. وهذا دَقيقٌ لأنَّ الحِكمةَ لا تُفَسَّرُ بكَثرةِ القِراءةِ ولا بطولِ التَّجربة. فكم من قارِئٍ كَثيرٍ بِلا حِكمة، وكم من مُجَرِّبٍ طَويلِ العُمرِ بِلا حِكمة. الحِكمةُ عَطاءٌ إلهيٌّ يَنزِلُ عَلى قَلبٍ مُستَعِدٍّ لاستِقبالِه. لكنَّ الاستِعدادَ شَرطٌ وليسَ سَبَبًا كامِلًا.
«مَن يَشاء» التَّحريرُ من مَنطِقِ الاستِحقاق
أؤَكِّدُ أنَّ «مَن يَشاء» تُحَرِّرُ الحِكمةَ من مَنطِقِ الاستِحقاقِ الصّارم. لو كانَتِ الحِكمةُ تُعطى بمقدارِ الجَهد، لكانَتْ سِلعةً تُحَصَّل. لكنَّ «مَن يَشاء» تَقولُ إنَّ المَشيئةَ الإلهيَّةَ هي الحاكِمَةُ في التَّوزيع. وهذا لا يُلغي الجَهد، بل يُرَتِّبُه: الجَهدُ تَهيئةٌ، والمَشيئةُ إيتاءٌ. وهذا يُحَرِّرُ الإنسانَ من الاكتِئابِ حينَ لا يَبلُغُ الحِكمةَ بسُرعة، ومِنَ الكِبرِ حينَ يَحسُبُ نَفسَه حَكيمًا: كُلاهُما في يَدِ الواهِب.
(خ ي ر)+(ك ث ر) الخَيرُ الكَثيرُ كَشَمرةٍ مُوَصَّفة
«فَقَد أُوتيَ خَيرًا كَثيرًا» جُملةٌ مَوزونةٌ بدِقّة. لم تَقُل «خَيرًا عَظيمًا» (وهو وَصفُ الحَجم) ولا «خَيرًا قَيِّمًا» (وهو وَصفُ القيمة)، بل «كَثيرًا» (وهو وَصفُ التَّعَدُّدِ والوَفرة). لأنَّ الحِكمةَ خَيرٌ واحِدٌ يُنتِجُ خَيراتٍ كَثيرةً في تَطبيقاتِه. مَن أُوتيَ الحِكمةَ أُوتيَ بِبِنيةِ التَّكاثُر: كلُّ قَرارٍ حَكيمٍ يَفتَحُ بابًا لِخَيراتٍ أُخرى. إنَّها قُدرةٌ تُنتِجُ خَيراتٍ لا خَيرًا واحِدًا مَحدودًا.
(ذ ك ر) التَّذَكُّرُ كَحَرَكةٍ داخِليَّة
«وما يَذَّكَّرُ» جِذرُها (ذ ك ر) بِصِيغةِ التَّفَعُّل. التَّذَكُّرُ ليسَ الذِّكرَ المَحضَ (استِدعاءَ المَعلومةِ من الذّاكِرة)، بل فِعلٌ تَأمُّليّ: تَحويلُ المَعلومةِ إلى بَصيرةٍ داخِليَّةٍ مُحَرِّكة. الذي يَذَّكَّرُ هو الذي يَأخُذُ المَعلومةَ (مَثَلَ الحَبَّة، أو صَخرةِ 264، أو جَنَّةِ 266) ويَحوِّلُها إلى قاعِدةٍ في قَلبِه يَعمَلُ بِها.
(ل ب ب) أُولو الألباب
أُشيرُ إلى أنَّ (ل ب ب) في الأصلِ قَلبُ الثَّمَرة: ما تَحتَ القِشرة. فالجَوزُ له قِشرةٌ ولُبّ، والمُقصودُ هو اللُّبّ. و«أُولو الألباب» هُمُ الذينَ وَصَلوا إلى قَلبِ المَعنى لا إلى قِشرَتِه. وهذه اللَّفظةُ تَمييزٌ بَلاغيّ: فالنّاسُ يَتَوَزَّعونَ إلى مَن يَقِفُ عِندَ الظَّواهِر، ومَن يَنفُذُ إلى الجَواهِر. الحِكمةُ والتَّذَكُّرُ لا يَلتَقيانِ إلا في هذا النَّوعِ الثّاني: العَقلُ الذي شَقَّ قِشرَ العالَمِ ورَأى اللُّباب.
صِلةُ الآيةِ بسِياقِ الإنفاق
أُلاحِظُ أنَّ هذه الآيةَ مَوقِعُها بَديعٌ بَينَ آياتِ الإنفاق. فقد قَدَّمَت الآياتُ السّابِقةُ: المَثَلَ الإيجابيَّ (261، 265)، الشُّروطَ السَّلبيَّةَ (262، 263، 264، 267)، المَثَلَ الإنذاريَّ (266)، والصِّراعَ النَّفسيَّ (268). ثمَّ تَأتي 269 لتَقولَ إنَّ كلَّ هذا البِناءِ المَعرِفيّ لا يَعمَلُ إلا بحِكمةٍ تُؤتى. فالقارِئُ المُتَعَلِّمُ قد يَعرِفُ كلَّ القَواعِد، ثمَّ يَفشَلُ في لَحظةِ التَّطبيق. الحِكمةُ هي الجِسرُ بَينَ المَعرِفةِ والتَّنفيذ.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الحِكمةِ كَبَصيرةٍ عَمَليَّةٍ تُؤتى» يَسبِقُ دَورَ «المَعرِفةِ كَتَحصيلٍ أكاديميٍّ يُكتَسَب»، ودَورُ «اللُّبابِ الذي شَقَّ قِشرَ العالَم» يَسبِقُ دَورَ «الذِّهنِ الذي اكتَفى بالظَّواهِر».
حَصيلة
بَعدَ ثَمانِ آياتٍ عَن الإنفاقِ بِكُلِّ شُروطِه ومَثالِبِه وصِراعاتِه النَّفسيَّة، تَضَعُ هَذِه الآيةُ الجِسرَ المَفقود: الحِكمةُ. الحِكمةُ (ح-ك-م) أصلُها المَنعُ مِن الخَلَلِ بِإحكامِ الصُّنع، والحَكيمُ يَمنَعُ عَقلَه مِنَ الشَّطَط فيَضَعُ الأشياءَ في مَواضِعِها. هي ليسَت مَعرِفةً تُحَصَّلُ بَل هِبةٌ تُؤتى (أ-ت-ي): إعطاءٌ مِن فاعِلٍ أعلى لِقَلبٍ مُستَعِدٍّ لا لِذِهنٍ مُجَرَّد. «مَن يَشاء» تَكسِرُ مَنطِقَ الاستِحقاقِ الصَّارِم: كَثيرُ القِراءةِ قَد يَفقَرُها، وقَليلُ التَّأهيلِ قَد يَنالُها. ومَن نالَها نالَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: كَثيرٌ (ك-ث-ر) لا عَظيمٌ ولا قَيِّمٌ، لأنَّ الحِكمةَ تَتَكاثَرُ في تَطبيقاتِها، خَيرٌ واحِدٌ يُنتِجُ خَيراتٍ لا تُحصى. والخِتامُ يَضَعُ شَرطَ الاستِفادة: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، التَّذَكُّرُ (ذ-ك-ر) بِصِيغةِ التَّفَعُّلِ تَحويلُ المَعلومةِ إلى بَصيرةٍ مُحَرِّكة، وأُولو الألباب (ل-ب-ب) العُقولُ التي شَقَّت قِشرَ الظَّواهِرِ وَصَلَت إلى اللُّباب: قَلبُ الثَّمَرةِ لا قِشرَتُها.