البقرة · الآية 2

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

«ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ»: الإشارةُ إلى البعيد، ونفيُ الاضطراب

وأصلُ «الكتاب» في جذره (ك ت ب) إمساكٌ محكمٌ بدقّة ثمّ ارتباطٌ وثبات: ما حُبِسَت فيه المعاني تُحفظ بدقّة، فترتبط وتثبت ولا تنفلت. والكتاب في القرآن هو الجانبُ النظريّ المحفوظ من قوانينٍ وأنظمةٍ وتشريعات، والقرآنُ تفعيلُ ذلك الكتاب وتحويله إلى سلوكٍ وعمل. وأصلُ الكتاب مرفوعٌ عند الله، وهو «أمّ الكتاب»، وما بين يدي القارئ انعكاسٌ من تلك الحقيقة.

ولهذا جاء اسم الإشارة للبعيد ذَٰلِكَ﴾ دون «هذا»، لأنّ المُشار إليه في حقيقته شأنٌ غيبيّ يتخطّى المسافة الحسّية التي تفصل القارئ عن الورق. ويُؤيّد هذا تكرار القرآن الإشارةَ إلى «عِلم الكتاب» في قوله الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ ووَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، وفيه إشارةٌ إلى أنّ لكلّ حرفٍ منه بُعداً لا يُنال بمجرّد تحريك الشفتين. فمن قرأ الحروف وحدها قرأ الظاهر، ويبقى الكتابُ «ذلك» بعيداً حتّى تتحوّل الحروفُ إلى قرآنٍ حيٍّ يمشي بين الناس.

و«الرَّيْب» في جذره (ر ي ب) جريانُ اضطرابٍ يسترسل في الباطن حتّى يطفو ويظهر في السلوك، وهو غيرُ الشكّ الساكن. ونفيُه عن الكتاب في لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إعلانٌ أنّه لا يتموّج، زيادةً على إثباتِ أنّه حقّ، فهو محكمُ الإمساك، ثابتٌ لا يُزحزح، ليست فيه شقوقٌ يسترسل فيها اضطراب.

«هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ»: الهدى (ه د ي) والتقوى (و ق ي)

ومدارُ «الهداية» في جذرها (ه د ي) على تفريغِ ما كان محتبساً ثمّ امتدادٍ على مسارٍ متّصل، أي إزالةِ العائق وفتحِ الطريق. وهي عند الله تتحرّك أوّلاً لمن فتح قلبَه للحقّ، ولا تُوزَّع على الغافلين جزافاً. وقوله هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ تعيينٌ لقانون عمل الكتاب، وليس تضييقاً له، فالهدى لا يجد في القلب المُكتَنِز موضعاً يشتغل فيه.

و«المتّقي» من «وَقَى»، وهو من يحمي نفسَه، وليس من يَكتفي بالخوف. فالتقوى حراسةُ القلب ممّا يُخلّ به، ولا تقف عند هيبةٍ في اللفظ. ومن وقى نفسَه هيّأ في باطنه واديَ الاستقبال، فإذا نزل عليه الهدى فكّك حواجزه وسرى فيه. والوادي الذي لم يُحفَر مجراه لا يحتفظ بالماء، وعلّةُ ذلك عدمُ الاستعداد فيه، لا قصورٌ في الماء.

أوصافُ المتّقين الستّة: درجتان في مقام الأمان

والأوصافُ التي افتتح الحقُّ بها البقرة ستّةٌ، تتوزّع على الآيات التالية: الإيمانُ بالغيب، وإقامةُ الصلاة، والإنفاقُ ممّا رُزقوا، والإيمانُ بما أُنزل إلى المُخاطَب، والإيمانُ بما أُنزل من قبله، والإيقانُ بالآخرة. وهي في ترتيبها ترسم مساراً صاعداً، ففيها ثلاثٌ أُولى حدّها الأدنى كفُّ الأذى وفتحُ القلب للغيب وإقامةُ الصلة وتمريرُ الرزق، وهو مقامُ الإسلام الفعّال، وثلاثٌ ثانية هي تفاعلٌ إيجابيّ يُصدّق الوحيَ كلَّه ويوقن بالآخرة، وهو مقامُ الإيمان الجامع. فالمتّقي بهذه الأوصافِ باذلٌ غيرُ مُكتفٍ، يحمي ما حوله ولا يطمئنُّ في ذاته وحدها.

وهذه الستّةُ دورٌ حيٌّ يُقام عليه في الباطن والظاهر، وأساسٌ تُبنى عليه سورةُ البقرة كلّها، وليست بطاقةَ انتماءٍ تُعطى لمن يَنتسب إلى الاسم. فمن حملها صار «متّقياً» بحالٍ يَحمله، دون لقبٍ يَنطق به. وفي هذا يظهر قلبُ الأمر، وهو أنّ الكلمةَ تسبق المصطلح، والدورَ يسبق الهويّة.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ الإطارَ الذي تَجري فيه السورةُ كلُّها بإشارةٍ إلى البعيد ونَفيِ الاضطراب وتَحديدِ المُستَقبِل. والإشارةُ بـ«ذَٰلِكَ» دونَ «هذا» إشارةٌ إلى البعيدِ في الحَقيقة لا في المَكان، فالمُشارُ إليه شَأنٌ غَيبيٌّ يَتَخَطّى الوَرَقَ بَين يَدَيِ القارئ، وأَصلُه «أُمُّ الكِتاب» المَحفوظَة. ومادّةُ الكِتابِ في جذرِه (ك-ت-ب) إمساكٌ مُحكَمٌ بدِقّةٍ ثُمّ ارتباطٌ وثَبات: ما حُبِسَت فيه المَعاني تُحفَظُ بدِقّة، فَتَرتَبِطُ وتَثبُتُ ولا تَنفَلِت. ثُمّ يَأتي النَّفي: «لا رَيبَ فيه». والرَّيبُ في جذرِه (ر-ي-ب) جَريانُ اضطرابٍ يَستَرسِلُ في الباطنِ حتى يَطفوَ ويَظهَرَ في السُّلوك، وهو غَيرُ الشَّكِّ السّاكن، ولِذا كانَ نَفيُه إعلاناً أنّ الكتابَ لا يَتَمَوَّج، ولا يَقِفُ عِندَ إثباتِ الحَقّ، فهو مُحكَمُ الإمساك، ثابتٌ لا يُزَحزَح، ليست فيه شُقوقٌ يَستَرسِلُ فيها اضطراب. ثُمّ تُحَدِّدُ الآيةُ مَن يَفتَحُ لَه الكتابُ مَعناه: «هُدًى لِلمُتَّقين». والهِدايةُ في جذرِها (ه-د-ي) تَفريغُ ما كانَ مُحتَبَساً ثُمّ امتِدادٌ على مَسارٍ مُتَّصِل، أي إزالةُ العائقِ وفَتحُ الطَّريق. والمُتَّقي من «وَقى» (و-ق-ي)، وليسَ من «خاف»، فهو الذي يَحمي نَفسَه ممّا يَكسِرُها، وليسَ الذي يَكتَفي بهَيبَةِ اللَّفظ. والوادي الذي لم يُحفَر مَجراهُ لا يَحتَفِظُ بالماء، لعَدَمِ استِعدادٍ فيه، لا لقُصورٍ في الماء. ولِذا تَنزِلُ بَعدَها أَوصافُ المُتَّقين السِّتّةُ على آيتَين تالِيَتَين: الإيمانُ بالغَيب، وإقامةُ الصَّلاة، والإنفاقُ ممّا رُزِقوا، والإيمانُ بما أُنزِلَ إلى المُخاطَب، والإيمانُ بما أُنزِلَ من قَبلِه، واليَقينُ بالآخرة، منها ثَلاثٌ أُولى تَفتَحُ القَلبَ وتُقيمُ الصِّلةَ وتُمَرِّرُ الرِّزق، وثَلاثٌ ثانية تُصَدِّقُ الوَحيَ كلَّه وتوقِنُ بما بَعد. وهذه الأَوصافُ دَورٌ حَيٌّ يُقامُ عليه في الباطنِ والظاهر، وليست بطاقةَ انتماءٍ تُعطى لمَن يَنتَسِبُ إلى الاسم، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.