النساء · الآية 53

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا

«أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ»: سُؤالٌ عن حِصّةٍ ثانِية

تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«أم» إلى سُؤالٍ جَديد، و«أم» هُنا تَقطَعُ ما قَبلَها وتَبدَأُ استِفهاماً آخَر، فبَعدَ «ألَم تَرَ» في الآيةِ الحادِيةِ والخَمسينَ يَأتي «أم لَهُم نَصيبٌ مِنَ المُلك». والسُّؤالُ عن الذينَ وُصِفوا هُناك، والضَّميرُ في «لَهُم» يَعودُ عَلَيهِم. ويَتَكَرَّرُ فيه لَفظُ «نَصيب»: أوتوا في تِلكَ الآيةِ نَصيباً من الكِتاب، ويُسأَلُ هُنا عن نَصيبٍ من المُلك، فاللَّفظُ واحِدٌ وما يُقتَطَعُ مِنه النَّصيبُ مُختَلِف. والسُّؤالُ لا يَنتَظِرُ جَواباً بِلَفظِه، إذ يَأتي بَعدَه ما يَكونُ لَو كانَ لَهُم ذلك النَّصيب.

«الْمُلْك»: قَبضةٌ تَحوزُ وتَشتَدّ

والمُلكُ من م-ل-ك، وقد جاءَ فِعلُه في الآيةِ الثّالِثةِ في «ما مَلَكَت أيمانُكُم»، وهو إمساكٌ يَحوزُ ما يَقَعُ في اليَدِ ويَشتَدُّ عَلَيه، والمُلكُ بِضَمِّ الميمِ هذا الإمساكُ حينَ يَتَّسِعُ إلى السُّلطانِ على الأمورِ والنّاس. وجاءَ مُعَرَّفاً، «المُلك»، فالسُّؤالُ عن حِصّةٍ من المُلكِ نَفسِه. وفي آلِ عِمرانَ يُنسَبُ إيتاءُ المُلكِ إلى الله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾، والفِعلُ هُناكَ من أ-ت-ي، وهو الفِعلُ الذي تَدورُ عَلَيه هذه الآيات.

«فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ»: أُعطوا ويوصَفونَ بِأنَّهُم لا يُعطون

و«فإذاً» تَجعَلُ ما بَعدَها جَزاءً لِما قَبلَها: لَو كانَ لَهُم نَصيبٌ من المُلكِ لَكانَ من شَأنِهِم ألّا يُعطوا النّاسَ نَقيراً. و«يُؤتون» من أ-ت-ي، الجِذرِ الذي جاءَ في الحادِيةِ والخَمسينَ في «أوتوا»، فالذينَ أُعطوا نَصيباً من الكِتابِ يوصَفونَ، لو مَلَكوا، بِأنَّهُم لا يُعطون. والفِعلُ مُضارِعٌ يَصِفُ شَأناً قائماً فيهِم، دونَ فِعلةٍ واحِدةٍ تَمضي. والعَطاءُ المُمسَكُ واقِعٌ على «النّاس»، وهو اسمٌ عامٌّ مُعَرَّفٌ يَسَعُ كُلَّ مَن يُسَمّى بِه.

«نَقِيرًا»: أثَرُ نَقرةٍ واحِدة

والنَّقيرُ من ن-ق-ر، والنَّقرُ ضَربةٌ خَفيفةٌ بِطَرَفٍ حادٍّ تَترُكُ في الشَّيءِ أثَراً صَغيراً، ومنه «المِنقار»، وفي الكِتابِ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. و«نَقير» على فَعيلٍ بِمَعنى المَنقور: الأثَرُ الذي تَترُكُه نَقرةٌ واحِدة، فهو من أصغَرِ ما يُقاسُ بِه. وقد قاسَتِ السّورةُ بِمِثلِه في الآيةِ التّاسِعةِ والأربَعين: وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، ويَعودُ «النَّقيرُ» فيها في الآيةِ الرّابِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، فالمِقدارُ الذي لا يُنقَصُه العامِلونَ هُناكَ هو المِقدارُ الذي يُمسِكُه هؤلاءِ لَو مَلَكوا.

فيَجتَمِعُ في الآيةِ طَرَفان: المُلكُ قَبضةٌ تَشتَدُّ فلا تُفلِتُ ما فيها، والنَّقيرُ أثَرٌ صَغيرٌ كانَ يُمكِنُ أن يَخرُجَ مِنها، والقَبضةُ لو صارَت في أيديهِم لم يَخرُجْ مِنها حتّى هذا الأثَر. ويَتَّصِلُ هذا بِما وَصَفَتهُ السّورةُ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ من إمساكٍ يَتَعَدّى إلى النّاس: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«أم» من السُّؤالِ عمّا أوتوه إلى السُّؤالِ عن نَصيبٍ من المُلك، فيَتَكَرَّرُ لَفظُ النَّصيبِ بَعدَ «نَصيباً مِنَ الكِتاب». والمُلكُ من م-ل-ك قَبضةٌ تَحوزُ وتَشتَدّ، وإيتاؤه في آلِ عِمرانَ مَنسوبٌ إلى الله. ثُمَّ تَجعَلُ «فإذاً» جَزاءَ ذلك النَّصيبِ لو كانَ لَهُم: لا يُعطونَ النّاسَ نَقيراً، والفِعلُ من أ-ت-ي الذي أُعطوا بِه في الحادِيةِ والخَمسين، مُضارِعٌ يَصِفُ شَأناً قائماً، والنّاسُ اسمٌ عامّ. والنَّقيرُ من ن-ق-ر أثَرُ نَقرةٍ واحِدة، من أصغَرِ ما يُقاس، وهو المِقدارُ الذي لا يُنقَصُه العامِلونَ في الآيةِ الرّابِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة. فالقَبضةُ لو صارَت إلَيهِم لم يَخرُجْ مِنها إلى النّاسِ أثَرُ نَقرة، وهو إمساكٌ يَتَعَدّى إلى النّاسِ كالذي وَصَفَتهُ السّابِعةُ والثَّلاثون.