النساء · الآية 54

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا

«أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ»: سُؤالٌ ثالِثٌ عمّا في أيدي غَيرِهِم

وتَأتي «أم» مَرّةً ثانِيةً فتَفتَحُ سُؤالاً ثالِثاً في هذه السِّلسِلة: «ألَم تَرَ» في الحادِيةِ والخَمسين، ثُمَّ «أم لَهُم نَصيبٌ مِنَ المُلك» في الثّالِثةِ والخَمسين، ثُمَّ «أم يَحسُدونَ النّاس». فبَعدَ السُّؤالِ عن مُلكٍ لو كانَ في أيديهِم يُسأَلُ عمّا في أيدي غَيرِهِم. والحَسَدُ من ح-س-د، وحُروفُه ضِيقٌ في الباطِنِ يَسري فيه ثُمَّ يَحتَبِسُ ويَثبُت، فهو شَيءٌ يَجري في الصَّدرِ ويُحبَسُ فيه، وفي الفَلَقِ يُستَعاذُ من شَرِّه: وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

والمَحسودونَ «النّاس»، وهو الاسمُ نَفسُه الذي وَقَعَ عَلَيه العَطاءُ المُمسَكُ في الآيةِ السّابِقة: «لا يُؤتونَ النّاسَ نَقيراً». فالنّاسُ في الآيَتَينِ طَرَفٌ واحِد: يُمسِكونَ عَنهُمُ العَطاءَ لو مَلَكوا، ويَحسُدونَهُم على عَطاءٍ جاءَهُم من غَيرِهِم. والآيةُ تُبقي «النّاس» اسماً عامّاً يَدخُلُ فيه كُلُّ مَن آتاه اللهُ من فَضلِه.

«عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ»: حَسَدٌ يَقَعُ على عَطاءٍ مُسَمّى المُعطي

و«على» تَجعَلُ ما أُعطوه مَحَلَّ الحَسَد، و«ما آتاهُمُ الله» يُسَمّي المُعطيَ صَراحةً، فالحَسَدُ في الآيةِ واقِعٌ على عَطاءٍ فاعِلُه الله. و«من فَضلِه»: الفَضلُ من ف-ض-ل، ما يَزيدُ على المِقدارِ فيَخرُجُ عَنه ويَتَمَيَّز، و«مِن» تَجعَلُ المُعطى بَعضاً من هذه الزِّيادة، وإضافَتُه إلى الضَّميرِ تَنسُبُ الزِّيادةَ إلى الله.

وهذه العِبارةُ جاءَت بِلَفظِها في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين، في الذينَ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وقَبلَها في الآيةِ الثّانيةِ والثَّلاثينَ أُمِرَ المُخاطَبونَ أن يَسأَلوا من الفَضلِ نَفسِه: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾. فتَضَعُ السّورةُ إلى هذه الآيةِ فَضلَ اللهِ في ثَلاثةِ مَواقِف: سُؤالٌ يُطلَبُ مِنه، وكِتمانٌ لِما صارَ مِنه في اليَد، وحَسَدٌ على ما صارَ مِنه في يَدِ الغَير.

«فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»: عَطاءٌ سابِقٌ يُذكَر

ثُمَّ تَأتي الفاءُ و«قَد» مَعَ الماضي: «فقَد آتَينا»، فالعَطاءُ الذي يُحسَدُ عَلَيه النّاسُ لَه سابِقةٌ قد تَحَقَّقَت. ويَنتَقِلُ الكَلامُ من اسمِ الله، «ما آتاهُمُ الله»، إلى ضَميرِ المُتَكَلِّم، «آتَينا»، فالمُعطي الذي سُمِّيَ في السُّؤالِ يُخبِرُ هُنا عن عَطائه بِنَفسِه. والمُعطَونَ «آلُ إبراهيم»، وإبراهيمُ مُسَمًّى في الآية، و«آلُه» مَن يُنسَبونَ إلَيه، ولا يَرِدُ هذا الاسمُ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي آلِ عِمران: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

والمُعطى لَهُم ثَلاثة: «الكِتاب» مُعَرَّفاً، وقد كانَ في أيدي الذينَ وُصِفوا في الحادِيةِ والخَمسينَ نَصيبٌ مِنه، و«الحِكمة» من ح-ك-م، إمساكُ الأمرِ على وَجهِه حتّى يَبقى عَلَيه، و«مُلكاً عَظيماً»، والمُلكُ هو الذي سُئِلوا في الآيةِ السّابِقةِ عن نَصيبٍ مِنه. فالكِتابُ والمُلكُ اللَّذانِ جاءَ ذِكرُهُما في الآيَتَينِ بِلَفظِ «نَصيب» يُذكَرانِ هُنا عَطاءً لِآلِ إبراهيم، الكِتابُ مُعَرَّفاً والمُلكُ مَوصوفاً بِالعِظَم.

«وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا»: المَقطَعُ يَدورُ على العَطاء

وتَكرارُ «آتَيناهُم» مَعَ المُلكِ يُفرِدُه بِفِعلٍ خاصّ، وقد جاءَ نَكِرةً مَوصوفةً بِـ«عَظيماً»، والعِظَمُ من ع-ظ-م كِبَرٌ في الجِرمِ والشَّأن. وبِهذا الفِعلِ يَبلُغُ جِذرُ أ-ت-ي خَمسَ مَرّاتٍ في الآياتِ الأربَعِ من الحادِيةِ والخَمسينَ إلى الرّابِعةِ والخَمسين: «أوتوا» في الحادِيةِ والخَمسين، و«يُؤتون» في الثّالِثةِ والخَمسين، و«آتاهُم» و«آتَينا» و«آتَيناهُم» في هذه الآية. فالمَقطَعُ كُلُّه يَدورُ على العَطاء: قَومٌ أُعطوا حِصّة، ويوصَفونَ بِأنَّهُم لا يُعطونَ لو مَلَكوا، ويُسأَلُ عن حَسَدِهِم لِمَن أُعطِيَ، والجَوابُ عَطاءٌ سابِقٌ من اللهِ لِآلِ إبراهيم.


حَصيلة

تَفتَحُ «أم» سُؤالاً ثالِثاً بَعدَ «ألَم تَرَ» و«أم لَهُم نَصيبٌ مِنَ المُلك»: أيَحسُدونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه؟ والحَسَدُ من ح-س-د ضِيقٌ يَسري في الباطِنِ ثُمَّ يَحتَبِس، والنّاسُ هُمُ الاسمُ الذي وَقَعَ عَلَيه العَطاءُ المُمسَكُ في الآيةِ السّابِقة، وتُبقيه الآيةُ عامّاً. والحَسَدُ واقِعٌ على عَطاءٍ مُسَمّى المُعطي، من فَضلٍ يَزيدُ على المِقدار، والعِبارةُ نَفسُها في السّابِعةِ والثَّلاثينَ مَوضِعُ كِتمان، والفَضلُ في الثّانيةِ والثَّلاثينَ مَوضِعُ سُؤال. ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ فيُذكَرُ عَطاءٌ سابِقٌ قد تَحَقَّق: آلُ إبراهيمَ أوتوا الكِتابَ والحِكمةَ ومُلكاً عَظيماً، فالكِتابُ الذي كانَ في أيدي أولئكَ نَصيبٌ مِنه، والمُلكُ الذي سُئِلوا عن نَصيبٍ مِنه، يُذكَرانِ هُنا عَطاءً لِآلِ إبراهيم. وبِهذا يَبلُغُ جِذرُ العَطاءِ خَمسَ مَرّاتٍ في هذه الآياتِ الأربَع، والمُعطي في ثَلاثٍ مِنها اللهُ، مُسَمًّى في «آتاهُمُ الله» ومُتَكَلِّماً في «آتَينا» و«آتَيناهُم».