النساء · الآية 52

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا

«أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ»: اسمُ البَعيدِ بَعدَ «هؤلاء»

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«أولئك»، وهي إشارةٌ إلى البَعيد، تَجمَعُ الذينَ وُصِفوا في الآيةِ الحادِيةِ والخَمسينَ بِأوصافِهِمُ الثَّلاثة: نَصيبٌ أوتوه من الكِتاب، وثِقةٌ عَقَدوها بِالجِبتِ والطّاغوت، وحُكمٌ أعطَوا فيه الذينَ كَفَروا الأسبَقيّةَ على الطَّريق. وكانَ قَولُهُم في تِلكَ الآيةِ «هؤلاءِ»، إشارةً إلى القَريبِ يُشيرونَ بِها إلى الذينَ غَطَّوا، فجاءَتِ الإشارةُ إلَيهِم هُم بِاسمِ البَعيد، ثُمَّ تَبِعَها فِعلٌ مَعناه الإبعاد.

«لَعَنَهُمُ اللَّهُ»: إبعادٌ يُفرِدُ ويُخرِج

واللَّعنُ من ل-ع-ن، وحُروفُه تَميزُ الشَّيءَ بِحِدّةٍ تُظهِرُه ثُمَّ تُخرِجُه عن مَوضِعِه، فهو إبعادٌ يُفرَدُ فيه المُبعَدُ ويُطرَد. والفِعلُ ماضٍ فاعِلُه اللهُ مُسَمًّى، فالإبعادُ واقِعٌ قد تَمّ. وقد جَرى هذا الجِذرُ في السِّياقِ قَبلُ ثَلاثَ مَرّات: في الآيةِ السّادِسةِ والأربَعينَ ماضِياً تَعقِدُه الباءُ بِـ«كُفرِهِم»: وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وفي السّابِعةِ والأربَعينَ مَرَّتَين، طَرَفاً في وَعيدٍ ومِثالاً ماضِياً: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. وهُنا يَأتي الفِعلُ في صَدرِ الآيةِ بَعدَ الإشارة، فالأوصافُ التي عَدَّتها الآيةُ السّابِقةُ تَقِفُ في المَوضِعِ الذي يَسبِقُ الإبعاد، والإشارةُ تَصِلُ الحُكمَ بِأصحابِها.

«وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ»: من المُشارِ إلَيهِم إلى كُلِّ مُبعَد

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ من المُشارِ إلَيهِم إلى قاعِدةٍ تَعُمّ: «ومَن يَلعَنِ الله»، و«مَن» تَفتَحُ الحُكمَ على كُلِّ مَن يَقَعُ عَلَيه هذا الفِعل. فالشَّطرُ الأوَّلُ يَحكي ما وَقَعَ على قَومٍ بِأعيانِهِم، والشَّطرُ الثّاني يُقَرِّرُ ما يَلزَمُ كُلَّ مَن أبعَدَه الله. وتَكرارُ اسمِ «الله» ظاهِراً في الشَّطرَينِ يُبقي الفاعِلَ واحِداً مُسَمًّى في الإبعادِ الخاصِّ والإبعادِ العامّ.

«فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا»: لِقاءٌ يُطلَبُ فلا يَنعَقِد

وجَوابُ الشَّرطِ «فلَن تَجِدَ لَه نَصيراً». و«لَن» تَنفي الفِعلَ فيما يُستَقبَل، و«تَجِدَ» خِطابٌ لِواحِد، كالخِطابِ في «ألَم تَرَ» في الآيةِ السّابِقة، فالخِطابُ الذي فُتِحَ هُناكَ بِالنَّظَرِ يُختَمُ هُنا بِنَفيِ الوِجدان. والوِجدانُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ ويَتَحَقَّقُ بَعدَ طَلَب، والمَنفيُّ هُنا أن يُلقى لِلمُبعَدِ ناصِرٌ مَهما طُلِب. و«لَه» مُفرَدٌ يَتبَعُ لَفظَ «مَن».

والنَّصيرُ من ن-ص-ر، والنَّصرُ قِيامٌ ثابِتٌ يَلتَحِمُ بِمَن ضاقَ عَلَيه أمرُه فيَشُدُّه، وبِناءُ «فَعيل» يَجعَلُه صِفةً لازِمةً في صاحِبِها. وقد قالَتِ الآيةُ الخامِسةُ والأربَعونَ لِلمُخاطَبين وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، فالنَّصيرُ الذي يَكفي هُناكَ هو اللهُ نَفسُه، ومَن أبعَدَه اللهُ لم يَبقَ لَه مَن يَقومُ هذا المَقام. ويَتَجاوَرُ في الآيَتَينِ لَفظانِ على بِناءٍ واحِدٍ يَشتَرِكانِ في النّونِ والصّاد: «نَصيباً» في الحادِيةِ والخَمسين، و«نَصيراً» هُنا، فقد أُعطوا حِصّةً من الكِتاب، ومَن أُبعِدَ يُطلَبُ لَه ناصِرٌ فلا يُلقى.


حَصيلة

تُشيرُ الآيةُ بِـ«أولئك»، اسمِ البَعيد، إلى الذينَ وُصِفوا في الآيةِ الحادِيةِ والخَمسين، بَعدَ أن أشاروا هُم بِـ«هؤلاء»، اسمِ القَريب، إلى الذينَ غَطَّوا، ثُمَّ تُتبِعُ الإشارةَ فِعلَ الإبعاد: «لَعَنَهُمُ الله»، واللَّعنُ من ل-ع-ن إفرادٌ بِحِدّةٍ ثُمَّ إخراجٌ عن المَوضِع، ماضٍ قد تَمَّ فاعِلُه اللهُ مُسَمًّى، وقد جَرى الجِذرُ في الآيَتَينِ السّادِسةِ والأربَعينَ والسّابِعةِ والأربَعين. ثُمَّ تَجعَلُ الإبعادَ قاعِدةً عامّة: «ومَن يَلعَنِ الله»، وتَختِمُ بِنَفيِ لِقاءٍ مُستَقبَل: «فلَن تَجِدَ لَه نَصيراً»، بِخِطابٍ لِواحِدٍ كالخِطابِ في «ألَم تَرَ»، والوِجدانُ من و-ج-د لِقاءٌ يَتَحَقَّقُ بَعدَ طَلَب، والنَّصيرُ من ن-ص-ر قِيامٌ ثابِتٌ يَلتَحِمُ بِمَن ضاقَ عَلَيه أمرُه. فمَن كانَ اللهُ نَصيرَه كَفاه، كما قالَتِ الخامِسةُ والأربَعون، ومَن أبعَدَه اللهُ طُلِبَ لَه نَصيرٌ فلم يوجَد، وبَينَ «نَصيباً» و«نَصيراً» حَرفٌ واحِدٌ يَفتَرِقانِ بِه.