الهمزة · الآية 4

﴿كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ

«كَلَّا»: الرَّدعُ الذي يَكسِرُ بِكَلِمَةٍ ما بُنيَ في عُمُر

«كَلَّا» في العَربيَّةِ كَلِمَةُ رَدعٍ ونَفي، تُلقى في وَجهِ مَنِ انعَقَدَ على ظَنٍّ خاطِئ، فَتَنقُضُه نَقضاً تامّاً قَبلَ أن يُذكَرَ بَديلُه. ولا تُستَخدَمُ في القُرآنِ إلّا في مَواضِعِ الكَشفِ عن وَهمٍ كَبير: وَهمِ المُتَطاوِلِ على ما لا يَملِك، ووَهمِ المُكَذِّبِ بما يَأتي، ووَهمِ الحاسِبِ نَفسَه آمِناً.

والوَزنُ نَفسُه ثَقيل، فشَدَّةٌ على اللامِ تُغلِقُ الكَلِمَةَ بقُوَّة، كَأَنَّ المُتَكَلِّمَ يَدُقُّ على الباب، ومَن سَمِعَها وَجَدَ نَفسَه أَمامَ نَفيٍ يُحاصِرُه، فلا مَجالَ بَعدَها للجَدَل، والحُسبانُ الذي بَنى عَلَيه الإِنسانُ هَيكَلَ أَفعالِه يَسقُطُ بكَلِمَةٍ واحِدَة.

والوَقفَةُ الإيقاعِيَّةُ بَعدَ «كَلَّا» (التي تُمَثِّلُها العَلامَةُ ۖ في المُصحَف) تَزيدُ المَعنى ثِقلاً، فالكَلِمَةُ تُلقى، ثُمَّ يُسكَتُ سَكتَةً، ثمّ يُكَمَّل، وكَأَنَّ السورَةَ تَترُكُ الحاسِبَ في صَمتٍ قَصيرٍ يَسمَعُ فيه وَهمَه يَنهار، قَبلَ أن تُسَمّيَ ما يَنتَظِرُه.

«لَيُنبَذَنَّ»: ثَلاثُ تَأكيداتٍ على فِعلِ النَّبذ

والفِعلُ مَبنيٌّ بِناءً مُؤَكَّداً ثَلاثِيّاً: لامُ القَسَم، ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَة، والصِّيغَةُ المَجهولَةُ التي تَنقُلُ الفِعلَ من الفاعِلِ المَذكورِ إلى المَفعولِ المَنبوذ. ومَن أَخفى نَفسَه خَلفَ المالِ يَخرُجُ هنا فاعِلاً مَستوراً ومَفعولاً ظاهِراً: فالفاعِلُ مَستورٌ لأَنَّه لا يُسَمّى، يُنبَذ، ولا يُحَدَّدُ مَن يَنبِذ، والمَفعولُ ظاهِرٌ لأَنَّ النَّصَّ يُلاحِقُه، هو لا غَيرُه.

والجِذرُ ن-ب-ذ في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ على رَميِ ما لا يُؤبَهُ بِه: نَبَذَ النَّوى رَماها جانِباً، ونَبَذَ العَهدَ رَماهُ خَلفَ ظَهرِه، ونَبيذُ التَّمرِ ما تُرِكَ يُنقَعُ ثُمَّ يُترَك. وفي الفِعلِ شَيءٌ مِنَ الاحتِقار، فما يُنبَذُ لا يُهتَمُّ بإِلقائِه على وَجهٍ حَسَن، ومَن جَعَلَ نَفسَه فَوقَ النّاسِ بِعَينِه ولِسانِه يَجِدُ نَفسَه مُلقىً كَنَواةٍ مَلفوظَة.

والمُقابَلَةُ بَين «جَمَعَ» في الآيَةِ الثانيَةِ و«يُنبَذَ» في الآيَةِ الرّابِعةِ صارِخَة: الأَوَّلُ ضَمٌّ يَستَأثِر، والثاني رَميٌ يَتَنَكَّر، فقد عاشَ يَلُمُّ ثُمَّ يُلقى. والذي ظَنَّ أنَّ الجَمعَ يُخلِدُه يَتَعَلَّمُ بفِعلٍ واحِدٍ أنَّ الحَركَةَ المُضادَّةَ هي التي تَنتَظِرُه: نَبذٌ يَنزِل، لا جَمعٌ يَستَقِرّ.

«الحُطَمَة»: الاسمُ الذي يَفتَحُ بابَ السُّؤال

والجِذرُ ح-ط-م في اللِّسانِ العَرَبيِّ يَدُلُّ على كَسرٍ يُحَطِّمُ الشَّيءَ ويُفَتِّتُه: حَطَمَ الإِناءَ كَسَّرَه قِطَعاً، والحَطمَةُ في الإِبِلِ ما يَكسِرُها سُنينُ القَحط. ووَزنُ فُعَلَة في «حُطَمَة»، وهو وَزنُ «هُمَزَة لُمَزَة» نَفسُه في الآيَةِ الأُولى، يُلصِقُ الفِعلَ بصاحبِه حَتى يَصيرَ هَيئَتَه، فالحُطَمَةُ ما جَعَلَ التَّحطيمَ صَنعَتَه، ولا تَقِفُ عِندَ أن تَكونَ ناراً.

والإِعجازُ في تَكرارِ الوَزن، فالإِنسانُ كانَ هُمَزةً لُمَزَة، أي مَن جَعَلَ النَّخسَ وَالطَّعنَ مِهنَتَه، والآنَ يُلقى في حُطَمَة، أي ما جَعَلَ الكَسرَ مِهنَتَها. والوَزنُ نَفسُه يَنطَبِقُ على الفِعلِ والجَزاء، فمَن صارَ الكَسرُ هَيئَتَه يُلقى فيما الكَسرُ هَيئَتُه، والتَّوازي بَين فاعِلِ الفِعلِ ومَنزِلِه مَكشوفٌ في وَزنٍ واحِد.

وفي البَقَرَةِ صورَةٌ تَكشِفُ ما تَفعَلُه النّار: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، والوَقودُ هناك النّاس، وهنا يُلقى الذين كانوا يَسحَقونَ النّاسَ بِغَمزِهم فيما يَسحَقُهم، فالحُطَمَةُ تَأخُذُ ما أَخَذوه، والتَّحطيمُ يَعودُ على فاعِلِه. وما أَدراكَ ما الحُطَمَة؟ السورَةُ نَفسُها سَتُجيب.


حَصيلة

«كَلَّا» كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَكسِرُ الحُسبانَ كُلَّه، وهي رَدعٌ يَهُزُّ السامِعَ وَيَكسِرُ ما انعَقَدَ في صَدرِه، وليسَت نَفياً عاديّاً. وَالوَقفَةُ الإيقاعيَّةُ التي تُمَثِّلُها العَلامَةُ ۖ في المُصحَفِ تَزيدُ المَعنى ثِقلاً، فالكَلِمَةُ تُلقى ثُمَّ يُسكَتُ سَكتَةً ثُمَّ يُكمَل، والحاسِبُ يَسمَعُ وَهمَه يَنهارُ قَبلَ أَن يَسمَعَ ما يَنتَظِرُه.

ثُمَّ «لَيُنبَذَنَّ»: لامُ القَسَمِ، وَنونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَة، وَصيغَةُ المَبنيِّ لِلمَجهول، فهي ثَلاثَةُ تَأكيداتٍ في فِعلٍ واحِد. وَالفِعلُ نَفسُه «نَبَذَ» في جِذرِ (ن-ب-ذ) رَميٌ يَرتَفِعُ بِه الفاعِلُ على المَنبوذ، رَميُ ما لا يُؤبَهُ بِه، ومَن قَضى عُمُرَه يَلِمُّ وَيَجمَع يُلقى دَفعَةً واحِدَة، والنَّبذُ نَقيضُ الجَمع. وَالاسمُ الذي يُنبَذُ فيه، «الحُطَمَة»، يَنفَتِحُ على الآيَةِ التالِيَةِ التي تَستَفهِمُ عَنه.

وَوَزنُ فُعَلَة في «الحُطَمَة» يُوازي «الهُمَزَة» وَ«اللُّمَزَة» في الآيَةِ الأُولى، وكَأَنَّ السورَةَ تَبني مُقابَلَةً مُتَعَمَّدَة: مَن كانَ هُمَزَةً لُمَزَةً بِالوَزنِ نَفسِه يُنبَذُ في حُطَمَةٍ بِالوَزنِ نَفسِه، فيُعيدُ الوَزنُ الفِعلَ على صاحِبِه مِرآةً.