الهمزة · الآية 5
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَما أَدراكَ»: السُّؤالُ الذي يَحجِزُ مَوضِعَ الإِصغاء
القُرآنُ يَستَخدِمُ صيغَتَين مُتَقارِبَتَين في الظّاهرِ مُتَمايزَتَين في الجَوهَر: «وما يُدريكَ» و«ما أَدراكَ». الأُولى تَأتي حَيثُ يُغلَقُ بابُ المَعرفةِ على المُخاطَبِ في أَمرٍ مَستور. والثانيةُ، وهي صيغَةُ الآيَةِ هنا، تَأتي حَيثُ يَفتَحُ النَّصُّ بابَ بَيانٍ على الفَور: تَستَفهمُ ثمّ تُجيبُ. الفَرقُ دَقيقٌ: «ما يُدريكَ» يُغلِقُ، و«ما أَدراكَ» يُمَهِّد.
والآيةُ تَدخُلُ في النَّوعِ الثاني. السُّؤالُ يُلقى ليَستَوقِفَ السامِعَ على عَتَبَةِ الجَوابِ، يَجعَلَه يَنحَني قَليلاً قَبلَ الدُّخول. مَن قَرَأَ السُّؤالَ ثمّ مَرَّ علَيه دونَ تَوَقُّفٍ ضاعَ علَيه أَكثَرُ ممَّا قَرَأ. الآيةُ تُريدُ القارِئَ أن يَقِفَ ويَتَنَفَّسَ، فيَدخُلَ الجَوابُ في صَدرٍ مَهيَّأ.
وفي السُّؤالِ تَواضُعٌ خَفيٌّ يُلقى على القارِئ. مَن سُئلَ «ما أَدراكَ»، عَلِمَ أَنَّه لا يَستَطيعُ أن يَعرِفَ مِن نَفسِه. لا حُسبانٌ يَدُلُّ علَيه (مِثلَ حُسبانِ الرَّجُلِ في الآيَةِ الثالِثَة)، ولا تَخمينٌ يُحيطُ به. السورَةُ التي بَدَأَت بهَدمِ حُسبانٍ تَختِمُ هذا الهَدمَ هنا: لا تَحسَب، اِنتَظِر أن يُدريَكَ النَّصُّ.
«أَدراكَ» و«تَدري»: المَعرِفَةُ التي تَتَسَلَّلُ من جانِبٍ مَستور
الجِذرُ د-ر-ي في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ على المَعرِفَةِ التي تَأتي مِن خَلفِ سِتر. تَقولُ «دَرى الصَّيدَ» = عَرَفَ مَكانَه بإِشارَةٍ خَفيَّة. ومنه «المُداراة» للذي يَتَلَطَّفُ في كَلامِه ليَصِلَ إِلى ما يُريد دونَ مُواجَهَة. الدِّرايَةُ مَعرفَةٌ تُؤخَذُ بإِشارَةٍ، لا بِمُواجَهَةٍ صَريحَة.
والوَزنُ في «أَدراكَ» على أَفعَلَ. الذي أَدرى المُخاطَبَ شَخصٌ آخَرُ، فاعِلُه مَستور. السُّؤالُ: ما الذي يَستَطيعُ أن يُلَقِّنَكَ هذه المَعرِفَة؟ ما الإِشارَةُ التي تَكفي ليَدخُلَ هذا المَفهومُ في صَدرِك؟ الفاعِلُ المُحتَمَلُ في الجَوابِ شَيءٌ واحِد: النَّصُّ نَفسُه، حين يَتَكَلَّم.
وهذا الفَتحُ بَين سُؤالٍ وَجَوابٍ هو المَوضِعُ الذي يَدخُلُ منه القارِئُ إِلى الصُّوَرِ التي يَأتي بها النَّصُّ بَعدَه: نارٌ تَطَّلِع، أَفئِدَةٌ تَنكَشِف، أَبوابٌ تُؤصَد، عَمَدٌ تَمتَدّ. كلُّ هذه الصُّوَرِ تَدخُلُ في القَلبِ من المَسافَةِ التي فَتَحَها هذا السُّؤال.
المَوضِعُ الذي يَدخُلُ منه الجَوابُ إِلى القَلب
السورَةُ تَستَخدِمُ ثَلاثَ تِقنياتٍ في تَكثيفِ المَعنى: تَكرارُ الوَزن (هُمَزَة لُمَزَة، حُطَمَة)، تَأكيدُ الفِعلِ (لَيُنبَذَنَّ بِتَأكيدَين)، ثمّ هذا السُّؤالُ المُمَهِّد. الثَّلاثَةُ تَعمَلُ على وِجهَةٍ واحِدَة: تُحضِرُ الصُّورَةَ في حِسِّ السامِعِ كَأَنَّها مَشهَدٌ يَراه. لا اسمٌ يُذكَر فَيَنسى، بل اسمٌ يُهَيَّأُ له المَكانُ في القَلبِ قَبلَ أن يَصِل.
والسُّؤالُ هنا أَيضاً يَفتَحُ بابَ الذِّكر: «ما الحُطَمَة» يُكَرِّرُ الكَلِمَةَ مَرَّةً ثانيَة. الكَلِمَةُ تُلقى أَوَّلاً في الآيَةِ الرّابِعَةِ، ثمّ تُذكَرُ ثانيَةً في السُّؤال، ثمّ سَتُذكَرُ ثالثَةً في الآيَةِ السادِسَةِ بِصِفَتِها («نارُ اللهِ المُوقَدَة»). تَكرارُ الكَلِمَةِ ثَلاثاً يَجعَلُها تَستَقِرُّ في الأُذُن.
وفي هذا التَّمهيدِ مُقابَلَةٌ تامَّةٌ مع وَهمِ الرَّجُل. الرَّجُلُ حَسِبَ في صَدرِه «أَنَّ مالَه أَخلَدَه»: حُسبانٌ يَنعَقِدُ من تَحتٍ بلا إِشارَةٍ من خارِج. والآيةُ هنا تَقول: ما هو آتٍ لا يَنعَقِدُ في الحُسبانِ من تَحت، بل يَأتيكَ مِن خارِجٍ بإِشارَةٍ صَريحَة. الفَرقُ بَين الحُسبانِ الذي يَدورُ على الأَوهام، والإِدراءِ الذي يُعَلِّمُ الحَقائق، فَرقٌ يَفصِلُ مَن يَعيشُ في وَهمٍ مَن يَعيشُ في تَنبيه.
حَصيلة
الآيَةُ تَتَوَقَّفُ على الاسمِ الذي أُلقيَ في الآيَةِ السابِقَة ثُمَّ تَستَفهِم. «وَما أَدراكَ» صيغَةٌ قُرآنيَّةٌ مَخصوصَة تَأتي حَيثُ يَفتَحُ النَّصُّ بابَ بَيانٍ على الفَور: تَستَفهِمُ ثُمَّ تُجيبُ. وَهي تَختَلِفُ عَن «وَما يُدريكَ» التي تُغلِقُ بابَ المَعرِفَةِ على المُخاطَب. الفَرقُ دَقيق: هذه تُمَهِّد، وَتِلكَ تُغلِق.
وَجِذرُ (د-ر-ي) يَدورُ على المَعرِفَةِ التي تَأتي بِإِشارَةٍ خَفيَّةٍ مِن جانِبٍ مَستور. تَقولُ العَرَب «ما أَدراني بِه» أَي ما الذي دَلَّني عَلَيه. وَالسُّؤالُ هُنا: ما الإِشارَةُ التي تَكفي لِيَقِفَ القَلبُ على صورَةِ الحُطَمَة؟ وَالجَوابُ ضِمنيّ: لا إِشارَةَ تَكفي إِلّا أَن يَتَكَلَّمَ النَّصُّ نَفسُه. السورَةُ تَتَنَفَّسُ بَينَ سُؤالٍ تُلقيه وَجَوابٍ تُعطيه بِنَفسِها.
وَالسُّؤالُ يَفتَحُ مَسافَةً بَينَ الاسمِ وَوَصفِه. اسمٌ أُلقيَ، ثُمَّ نافِذَةٌ تُفتَح. مَن قَرَأَ السُّؤالَ ثُمَّ مَرَّ عَلَيه دونَ تَوَقُّفٍ ضاعَ عَلَيه أَكثَرُ مِمَّا قَرَأ. وَما يَأتي في الآيَةِ التالِيَةِ يَدخُلُ القَلبَ مِن فُتحَةٍ هَيَّأَها له هذا السُّؤال. وَفي السُّؤالِ تَواضُعٌ خَفيٌّ يُلقى على القارِئ: مَن سُئلَ «ما أَدراكَ» عَلِمَ أَنَّه لا يَستَطيعُ أَن يَعرِفَ مِن نَفسِه. لا تَحسَب، انتَظِر أَن يُدرِيَكَ النَّصّ.