الإسراء · الآية 19
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَمَنْ أَرَادَ»: ماضٍ يُقابِلُ حالاً، وثَلاثةٌ تُقابِلُ واحِداً
الآيةُ قَبلَها قالَت مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾، وهذه تَقولُ «وَمَنْ أَرَادَ». هُناكَ حالٌ تُقيمُ ولا تَنقَضي، وهُنا فِعلٌ وَقَعَ وتَمّ. والجَذرُ واحِدٌ في المَوضِعَين، ر-و-د، تَرَدُّدٌ لَيِّنٌ يَتَّصِلُ بِمَقصِدِه حتّى يَثبُتَ عِندَه. غَيرَ أنَّ الماضيَ يَنقُلُ التَّوَجُّهَ إلى ما وَقَعَ وانتَهى، فيُذكَرُ بَعدَه ما تَبِعَه لا الغايةُ وَحدَها.
والفَرقُ الثّاني أثقَل. تِلكَ اشتَرَطَت شَرطاً واحِداً: إرادة. وهذه تَشتَرِطُ ثَلاثة: إرادةً، وسَعياً، وقِياماً يُصاحِبُهُما. ولم تَقُلْ «ومَن أرادَ الآخِرةَ عَجَّلْنا لَه فيها»، فما بَينَ الطَّرَفَينِ مُقابَلةٌ في المَوضوعِ لا في العَدَد. طَرَفٌ يُكتَفى منه بِالطَّلَبِ وَحدَه، وطَرَفٌ لا يُكتَفى.
«الْآخِرَةَ»: اسمٌ يُؤخَذُ من المَوضِعِ لا من السُّرعة
«العاجِلة» سُمِّيَت بِسُرعَتِها، و«الآخِرة» تُسَمّى بِمَوضِعِها. والجَذرُ أ-خ-ر تَأكيدٌ يَختَرِقُ ما تَقَدَّمَه ثُمَّ يَجري في امتِدادٍ لا يَنقَطِع، فهي ما يَقَعُ وَراءَ ما يُدرَكُ الآن. ولَيسَت في هذا الجَذرِ نِهايةً تُغلَق، بَل فَضاءً يَنفَتِحُ بَعدَ ما سَبَق.
وقد مَرَّ الاسمُ نَفسُه في هذه السّورةِ مَمنوعاً عنه التَّصديق: وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. وهُنا يَعودُ مُراداً مَطلوباً، ويَعودُ مَعَه جَذرُ التَّصديقِ مُثبَتاً في آخِرِ الشُّروط: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ». الجَذرانِ اللَّذانِ افتَرَقا هُناكَ يَلتَقِيانِ هُنا في رَجُلٍ واحِد.
«وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا»: بَذلٌ يُنسَبُ إلى غايَتِه لا إلى باذِلِه
لم تَقُلِ الآيةُ «وسَعى لَها سَعياً»، ولا «سَعيَه». قالَت «سَعْيَهَا». والمَفعولُ المُطلَقُ مُضافٌ إلى ضَميرِ الآخِرة: سَعيُها هي، لا سَعيُ الرَّجُل. فلَيسَ كُلُّ بَذلٍ في طَريقٍ بَذلَ ذلكَ الطَّريق، ولا يَصيرُ الجَهدُ مَقبولاً بِأنَّ صاحِبَه تَعِب.
والجَذرُ س-ع-ي انسِيابٌ إلى الأمامِ تَقتَرِنُ بِه شِدّةٌ من العُمقِ ثُمَّ يَمتَدُّ في استِمرار. فهو حَرَكةٌ جادّةٌ لا مَشيَةٌ هانِئة، فيها بَذلٌ وعَزمٌ ودَوام. واللّامُ في «لَها» تُعَيِّنُ الوِجهة، والإضافةُ في «سَعْيَهَا» تُعَيِّنُ القَدرَ والصِّفة. وِجهةٌ وقَدر، ولا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر.
ثُمَّ انظُر أينَ استَقَرَّ السَّعيُ في آخِرِ الآية: «كَانَ سَعْيُهُم». كانَ في أوَّلِها مُضافاً إليها هي، وصارَ في آخِرِها مُضافاً إليهِم هُم. ما بُذِلَ على قَدرِها رُدَّ مَنسوباً إلى باذِليه.
«وَهُوَ مُؤْمِنٌ» و«مَّشْكُورًا»: قِيامٌ لا حَدَث، وشُكرٌ لا يُسَمّى شاكِرُه
الشَّرطانِ الأوَّلانِ فِعلان: «أَرَادَ» و«سَعَىٰ». والثّالِثُ لَيسَ فِعلاً بَل جُملةً حالِيّة: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، اسمُ فاعِلٍ يَصِفُ قِياماً لا حَدَثاً يَنقَضي. فلا يُكتَفى بِأن يَقَعَ الفِعلانِ في وَقتٍ ما، بَل يُصاحِبُهُما قِيامٌ لا يُفارِقُهُما. والجَذرُ أ-م-ن ضَمٌّ مُؤَكَّدٌ يَنبَعِثُ منه أمان.
ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ من «مَن» المُفرَدةِ إلى «أُولَٰئِكَ» الجَمع. وُصِفَ واحِدٌ ووَقَعَتِ الإشارةُ على جَماعة. والإشارةُ إلى البَعيدِ تَقَعُ في كَلامِ العَرَبِ لِلمُتَراخي في المَكانِ وتَقَعُ لِلرَّفيعِ في المَنزِلة، ولَيسَ في الآيةِ ما يَقطَعُ بِأحَدِهِما، فيُعلَنُ الوَجهانِ.
و«مَّشْكُوراً» اسمُ مَفعول، وهو خَبَرُ «كانَ» عن «سَعْيُهُم» لا عَنهُم. لم يُقَلْ «كانوا مَشكورين»: الشُّكرُ واقِعٌ على السَّعيِ نَفسِه. والجَذرُ ش-ك-ر جَمعٌ ثُمَّ إفاضةٌ مُضاعَفة، ما يُجمَعُ في الدّاخِلِ يَخرُجُ أوسَعَ مِمّا دَخَل. ومنه ناقةٌ شَكورٌ تُدِرُّ غَزيراً على قِلّةِ العَلَف، وأرضٌ شَكورٌ تُخرِجُ وافِراً على شُحِّ الماء. فالسَّعيُ المَشكورُ سَعيٌ جُمِعَ ثُمَّ رُدَّ أوسَعَ مِمّا بُذِل.
وفي الآيةِ قَبلَها أربَعةُ أفعالٍ لِلمُتَكَلِّم: عَجَّلْنا، ونَشاءُ، ونُريدُ، وجَعَلْنا. وفي هذه لا فِعلَ لِلمُتَكَلِّمِ البَتّة. ولا قَيدَ على «مَشكوراً»: لا «ما نَشاءُ» يَقتَطِعُ لَه قَدراً، ولا «لِمَن نُريدُ» يُعيدُ تَعيينَ صاحِبِه. نَزَلَ القَيدُ هُناكَ على ما عُجِّل، ولم يَنزِلْ هُنا على ما شُكِر.
وأوسَعُ ما في الآيةِ أنَّها لم تَذكُرْ حَدّاً.
حَصيلة
شَرطٌ بِالماضي يُقابِلُ حالاً لا تَنقَضي في الآيةِ قَبلَها، وثَلاثةُ شُروطٍ تُقابِلُ واحِداً: إرادةٌ وَقَعَت، وسَعيٌ بُذِل، وقِيامٌ يُصاحِبُهُما. والمُرادُ اسمٌ مَأخوذٌ من مَوضِعِه لا من سُرعَتِه، «الآخِرة»، ما يَقَعُ وَراءَ المُدرَكِ الآن. والسَّعيُ مُقَيَّدٌ مَرَّتَين: بِاللّامِ التي تُعَيِّنُ وِجهَتَه، وبِالإضافةِ التي تَجعَلُه سَعيَها هي لا سَعيَ صاحِبِه، فلا يُجزِئُ عنه جَهدٌ لم يَبلُغْ قَدرَها. ثُمَّ يَعودُ في آخِرِ الآيةِ مُضافاً إليهِم، فما بُذِلَ على قَدرِها رُدَّ مَنسوباً إلى باذِليه. والثّالِثةُ من الشُّروطِ لَيسَت فِعلاً بَل جُملةً حالِيّة، «وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، ضَمٌّ قائِمٌ لا حَدَثٌ يَنقَضي. ويُختَمُ بِـ«مَشكوراً» خَبَراً عَنِ السَّعيِ لا عن أصحابِه، من جَذرٍ يَجمَعُ ثُمَّ يُفيضُ أوسَعَ مِمّا دَخَل. ولا مُتَكَلِّمَ في الآيةِ يُسَمّي نَفسَه بَعدَ أربَعةِ أفعالٍ سَمّى بِها نَفسَه في التي قَبلَها، ولا قَيدَ يَلحَقُ الشُّكرَ بَعدَ قَيدَينِ لَحِقا التَّعجيل.